
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
أما تَسمعُ النعيق ؟ والزئير ؟ والخرير ؟ والصّراخ ؟ والياه ياه ؟ ضدّك أيّها العدوّ المُستوحش ؟
فاليُتمُ يَبدو واضحاً على خُدودِي البَريئتَينِ .. واللّتَين يُتّما وتُيّما بهذا الأبُ الحُنون الرّؤوف ..!
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
فَدعْني أُقبّل تلكَ الجَبهَة التي لطالما عَانقتْ سجْدةً في جَوف السّحَر ..
فلقد بَدتْ صَفراءَ يابسة .. تنتظر اخْضِراراً قبل تذوّق العِتْق مِن الدنيا الفانية ..
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
دعْهُ لي .. فلا أمٌّ بقيتْ .. ولا أخٌ أتجرّعُ له آهاتٍ مَكبوتة في صَدرٍ مَليء بكُريّاتٍ صَامتة ..
فهاهو القلبُ قد ازدَادتْ نبضاتُه .. وفُرّق بين يمينِه وشِماله .. ولم يَعدْ يقبل زفيراً آخر بلا شَهيق ..!
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
فامنُن عليّ باحتِضَانٍ شديد .. وسُبات عميق على حِضنهِ وفي حِجرِه ..
فلم تُنركْ ليَ الوسادة التي قلّما أُطلّقها في غَسق ليلة مُظلمة ..
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
ما لكم والمجنيّ عليه ؟ هل زاحَمكم في أرضكم أم زاحَمْتمُوه ؟
أم تُنزلونه الهَاوية ؟ فيَحلى ما كان لكم حُلماً وأمنية في إذاقتنا طامّة الموتِ الكُبرى ..
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
أتراني حَافياً ؟ حاسِر الرأس ؟
لم تعدْ هناك يدٌ كبيرة تمسحُ براحتها عليّ .. وإنّها ذاتُ اليد التي تَتغلغلُ بأصفادِكم الحَديديّة خوفَ الهروب ..
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
لنصنعَ اتفاقاً طارئاً ؟ أو نصنعَ مجلساً ؟ أو مؤتمراً ؟ أو ندفع فدية ؟ أو دية ؟ أو نردّ غنيمة ؟
أو تأخذ أرضاً ؟ أو تأخذ مالاً ؟ أو نهرب حالاً ؟
لتخترْ ما شئتَ .. بشرط أن تُشبّـثني بأذيالِ والدي ..
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
انظرْ إلى يدايَ .. قد تشقّقتا من كثرة الزّحف دُبُركم ..!
وذاقتا طعمَ الرّقاد أثناء التمسّك .. أما إنك لَتعرف ولداً كيف يخشى ذهابُ والده إن لم يكن لك ولد ..!
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
فوالهفاهُ منكم .. ما أغدرَ وأعجب ألعوبتكم ..! يُعطونَكم المال لأن تجرحُونا وتُيتّمونا ..
فتصعقون أماً بأبنائها .. وأبناءً بأمهاتهم .. وأولاداً بآبائهم .. وآباءً بأولادِهم .. فتأكلون بها ما لذّ وطاب ..!
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
لتنظر إلى الكاميرا .. ولنأخذ صُورة تذكارية معك ..
فهناك من العرب والمسلمين من إن ينظرُ إلى والدي يترحّم .. وينظر إليك فيحملُك على سَبعين مَحْمل ، فيعذرك ..!
أيّها الجَانِيّ تَوقّفْ !
لأحلفَ على القرآن ، وأحلفَ على الزبور والتوراة والإنجيل ..
على أن أكون لك عبداً مطيعاً يُعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفار وبعض المسلمين ..!
ولكن ؛
“ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَارِهُونَ " ؟؟
17-9-2010
ملاحظة :
الياه ياه :
- ويَهْ: حكاية الداعي بالإِبل المُيَهْيَهِ بها، يقول الراعي لصاحبه من بعيد: ياهٍ ياهٍ، أَقْبِلْ.
- ياهٍ ياهٍ وياهِ ياهِ: من دعاء الإِبل؛ ويَهْيَه بالإِبل يَهْيَهةً ويَهْياهاً: دعاها بذلك وقال لها ياهِ ياهِ
- قال ذو الرُّمَُةِ: يُنادِي بِيَهْياهٍ وياهٍ، كأَنه صُوَيْتُ الرُّوَيْعِي ضَلَّ بالليلِ صاحبُهْ ويروى: تَلَوَّمَ يَهْياهٍ؛
يقول: إِنه يناديه يا هِياهِ ثم يسكت منتظراً الجواب عن دعوته، فإِذا أَبطأَ عنه قال ياهٍ، قال: وياهِ ياهِ نداءَان،
من : لسان العرب
ناصر ،
التعليقات (0)