مواضيع اليوم

أصنامنا المحلية ومعول ابراهيم الخليل

علي الطائي

2011-07-27 00:10:10

0

 

أصنامنا المحلية ومعول ابراهيم الخليل


يظل الانسان على الدوام محاطا بدوامة من الأغلال والأصنام التي صنعها لنفسه سواء كانت تلك الأصنام مادية مصنوعة من الحجارة أو الطين أو معنوية مصنوعة من مجموعة من المعتقدات المعوقة والعادات والتقاليد التي تُركع الانسان وتجعله منقادا اليها كشيء مقدس يرى أن لها من القدرات والامكانيات الخارقة ما يجعل أمر تجاوزها محاطا بالبلايا وغضب الآلهة وعباد الالهة المتمثل بسلطة المجتمع النمرودي القاهرة. 

كانت مهمة الأنبياء عليهم السلام تتلخص في قوله تعالى: (يضع عنهم اصرهم والأغلال)، فلقد كانت كل المجتمعات البشرية التي بعث الله إليها الأنبياء مكبلين وأيديهم وعقولهم مغلولة الى العادات والتقاليد التي اكتسبوها من آبائهم، فكان كلما أتاهم مصلح بقول كان جوابهم عليه: (هذا ما وجدنا عليه أباؤنا). فالماضوية تعتبر مصدر التشريع المقدس بالنسبة لحاضر ومستقبل هؤلاء الشعوب وما عداها مستحدث فهو باطل ومجانب للحقيقة والصواب.

أمسك ابراهيم الخليل عليه السلام ذات يوم بمعوله ليحطم به أصنام قومه، ولأن الأصنام هي تجسيد مادي لأفكار ومعتقدات هؤلاء القوم، فهو كان بالأساس يعمل على تحطيم مجموعة من الخرافات والعادات والأفكار التي ترسبت في عقليات قومه وتحولت الى تمثال مادي مقدس، فجعلهم تحت اختبار فكري بسيط بأداة مادية (المعول) يتمثل في قدرتهم على استنطاق أكبر أصنامهم المحطمة وقدرتها المزعومة على انزال البلاء، وعندما عجزوا عن ذلك، عادوا اليه ليمارسوا جبروتهم وسلطتهم الاجتماعية كمدافع في وجه كل من تسول له نفس فيسفه عادات وتقاليد أباؤهم، فما كان منهم الا أن ألقوه في النار.

ينتصر النبي أو المصلح في كل مرة يخوض فيها غمار تحطيم الأصنام والأغلال والأفكار الرجعية، لكن سرعان ما تعود المجتمعات الى سالف عصرها، تعود هذه المرة أكثر قوة من سابقتها حيث لديها تعاليم الدين الجديد الذي انضمت اليه ونصوصه المقدسة وقد أصبحت بحوزتها وتحت هيمنتها لتوظفها مجددا في خدمة أعرافها البالية. هكذا كان مجتمع العصر الجاهلي مثلا، مجتمعا متمسكا في جانب بتعاليم الحنيفية، فيحج الناس الى الكعبة اتباعا لسنة ابراهيم الخليل عليه السلام لكن وفق ما تمليه عاداتهم وتقاليدهم الصنمية!!.

في مثل هذا النمط من المجتمعات الصنمية الغير سوي تختلط فيه العادات بالدين، وتصبح نصوص الدين مطواعة ومنقادة لخدمة العرف الاجتماعي المهيمن وليس العكس، تتعقد مهمة المصلحين وقادة الفكر فكان الرسول الأعظم وأهل بيته عليهم السلام في طليعة الذين واجهوا هذا الفكر الانحرافي المشوه باسم الدين لصالح العرف والتقاليد، لكن هذا النوع من المعارك لا حدود مكانية أو زمانية تحدها ليمتد الصراع في زمانه ومكانه وشكله ومضمونه وهو لا يكاد يتوقف بين أخذ وجذب.

ثقافة تحقير المرأة من وأدها سابقا الى حبسها وهضم حقها لاحقا ظلت كما هي مثلا ثقافة ثابتة راسخة في أدبيات المجتمعات الرجعية رغم تبدل العصور واختلاف الأساليب، ومتناغمة مع صنمية العادات والتقاليد وارث الآباء لكن بأدوات وتحت مظلة الدين الجديد المختطف الذي تم تطويعه وتركيعه، فهذا الواقع المرير من الجدل الذي نعيشه على الساحة المحلية على شتى القضايا المختلفة ما هو الا امتداد لهذا الارث البشري الطويل المليء بالصراع بين صنمية العادات والتقاليد الممزوج بالدين وفكرية العقل والتنوير المسلح بمعول ابراهيم الخليل. قد ينتصر الفكر النمرودي في جولة وقد يمارس سلطته وارهابه على اصحاب الفكر الاصلاحي ليرمي بهم جميعا في النار كما فُعل بإبراهيم الخليل عليه السلام..  لكن لا بد للصنم والقيد أن يكسر في النهاية.

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !