مواضيع اليوم

أحفاد الرئيس لهم الجنة، وأحفادنا ولاد ستين ألف كلب!

 

أوسلو في 27 مايو 2009

رائع جدا أن يتكاتف المصريون للتعبير عن تلك المشاعر الانسانية الراقية، بل ويبكي بعضهم طفلا لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره في الوقت الذي تلعن خلجاتهم العهد الأسود للرئيس حسني مبارك!

أما أن للطفل الراحل الجنة فهذا لا يشك فيه لحظة واحدة أي مؤمن بأن الأطفال عيال الله، وأن الطفل ليس بالضرورة مع والديه، وأن أطفال المسلمين والأقباط واليهود والبهائيين والمجوس والبوذيين والملحدين والطغاة والسفاحين سيكونون في رحاب الجنة يتمتعون بنعمة الله وفضله.

أتفهم تماما أسباب انزلاق دمعتين على الوجه من أي مصري إثر الاستماع إلى خبر رحيل حفيد الرئيس جراء فيروس أو تسمم أو لوكيميا أومرض عضال، لكنني أشعر بالقرف الشديد والغثيان عندما تلطم الدولة كلها وجهها، وينخرط كبار رجالها في بكاء وعويل، ويأمر رئيس مجلس الشعب بوقف بحث قضايا الناس وهمومهم وأوجاعهم وتعطيل الجلسات رغم أن الأموال التي يحصل عليها أعضاء مجلس الشعب حرام وسُحت وسرقة واحتيال.

والرئيس مبارك قال بأنه يحتسب حفيده عند الله ولعل رحيله يشفع له عند خالقه، والحقيقة أن الرئيس آخر من يحق له الحديث عن رحمة الله وعفوه ورضوانه، فكتابه يوم القيامة والذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها سيحتاج لعصبة من الملائكة ليقرأوه على مسامعه.

هؤلاء المصريون الطيبون الساذجون الذين يظنون أن الرئيس ربما يتوب، ويستيقظ ضميره، لا يعرفون أن إبليس أقرب إلى التوبة من الرئيس المصري، ولو أراد التوبة فقد منحه الله ثلاثة عقود كاملة ليقتطع منها دقائق معدودة يبحث فيها عن شعبه، ويتحسس آلامه، ويعالج قضاياه، ويطارد لصوصه، ويحفظ كرامة أفراده، ويرفع من شأن دولة المؤسسات والقانون.

فقد الرئيس مبارك أعز ما لديه وهو على قيد الحياة، وانقطع أمل في أن يحكم مصرَ بعد جمال مبارك ابنُ أخيه، ووقف الطاغية عارياً وهو يتوجع فقد مضى زمن طويل لم ينبجس ماء من هذا الصنم، ولم تلن عضلة واحدة في وجهه، ولم يستيقظ ضميره دقائق قليلة فيما يناهز الثلاثة عقود.

طاغية يحزن على حفيده رغم أنَّ مشاعره البليدة والقاسية والجامدة والمتحجرة ظلت كجبل الجليد حتى أنه منح أنواط الشجاعة لثلاثة ضباط متهمين بتعذيب مواطنيه، وعندما ألقى ضابط الشرطة مواطنا مصريا من الطابق الرابع صمت الطاغية صمت الجبناء فالضحية واحد من ثمانين مليونا يحتقرهم الرئيس، ويعتبرهم كلابا إن يحمل عليها تلهث وإن يتركها تلهث.

ودَّع مبارك حفيده إلى الأبد فالطفل البريء ككل أطفال أهل الأرض في جنة الخلد والنعيم ولا تزر وازرة وزر أخرى، أما الطاغية فيعلم أن ذنوبه وجرائمه وأثامه في جحيم وكوارث وفواجع أم الدنيا ستجعل له أكثر الأماكن ظلمة وحُرقة وعذابا يوم الحشر الأعظم.

لعله لم يصدق أن للحزن وقعا شديدا على النفس والجسد إلى أن جاء ذلك اليوم الذي استعاد الباري عز وجل وديعته، فالرئيس مبارك كان يظن أن الأحزان والآلام والعذابات هي فقط من نصيب أبناء شعبه، أما هو وعائلته ففي حماية الشيطان.

مَنْ حَزن على محمد علاء مبارك وبكى رحيله ولم يتأثر لموت آلاف الأطفال بسبب تكبر وغطرسة وطاغوتية وحماقة واستبداد وقسوة وغلظة مبارك فإن حزنه على الطفل البريء مسرحية سخيفة ونفاق مقزز، فالأحزان لا تتجزأ.

رحيل الطفل حفيد الرئيس كشف عوراتنا جميعا، فنحن منافقون حتى النخاع، ويمكننا أن نبصق على أجساء أولادنا وأحفادنا حتى نسعد الطاغية الطاووسي المتغطرس بدموعنا على حفيده.

رحيل الطفل مزق هالة الهيبة التي يتدثر بها الكبار والوزراء ورؤساء التحرير والاعلاميون وقادة المؤسسات فقد تقزموا جميعا، وكانت دموعهم التماسيحية كأنها تلعن أولادهم وأحفادهم فالقيمة الوحيدة في أرض الكنانة ينبغي أن تحملها الأسرة ذات الدماء الزرقاء، أما أولاد وأحفاد المعتقلين الأبرياء والمرضى والفقراء والمعوزين والجوعى وشهداء التعذيب في سجون الطاغية فليس منهم من يستحق دمعة واحدة لأنهم من طينة العبيد ورقيق العهد المباركي المشؤوم.

أحفاد الرئيس لهم الجنة أما أولادنا وأحفادنا فهم ولاد ستين ألف كلب.

 

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو النرويج

Taeralshmal@gmail.com

 

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات