مواضيع اليوم

محاذير ترديد المطربات لأغاني الحقيبة

مصـعـب المشـرّف

2017-09-07 22:00:36

0

 محاذير ترديد المطربات لأغاني الحقيبة

مصعب المشرّف

7 سبتمبر 2017م

إستضافت الفضائية السودانية الحكومية في عصر اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك المطربة "إتصاف فتحي" التي فاجأتنا بأداء أغنيات حقيبة .... وقالت أن هناك من نصحها بأداء أغنيات الحقيبة، لأن طبقات صوتها تسمح لها بذلك ... وكانت أغنية "كم نظرنا هلال" نظم الشاعر (أبو صلاح) من ضمن أغنيات قدمتها المطربة في الحلقة.

 

 

من حيث الثراء الصوتي ؛ ربما تكون طبقات صوت "إنصاف فتحي" تصلح لترديد أغنيات الحقيبة ..... ولكن نذكرها بأن أنوثتها قد لا تسمح لها بترديد الغالبية الكاسحة العظمى من هذه الأغنيات.

كلمات أغنيات الحقيبة مغرقة في الذكورية. وتشتمل على غزل حسي صريح في الأنثى ... وهنا تكمن المحاذير .

أبرز محاذير إقدام الجيل الجديد من المطربات على ترديد أغنيات الحقيبة ؛ أنها تعطي الإنطباع  وكأنّ التي ترددها أمامك تعاني من أعراض مرض "المثلية الجنسية".

على مدى تاريخ الغناء السوداني . شهدت الساحة مطربات و فرق غنائية ثنائية وثلاثية طرقن باب الغناء بأغنيات عاطفية (خاصة بهن) . جاءت كلماتها ومعانيها ومقاصدها تتناسب مع الطبيعة والخصوصية الأنثوية . والدور المنوط بها في الحياة العاطفية . وتقبلها الناس بصدر رحب .. وساهمت في إثراء الوجدان.

تدافع مطربات اليوم على ترديد أغنيات الحقيبة دون وعي بمعاني كلماتها؛ أستنتج أن سببه الأبرز هو تردي مستوى الإلمام باللغة العربية وضروبها .... وبما يجعل البعض منهن يرددن كلمات قد لا يدركن مغزاها ومبتغاها... وفداحة أن تجاهر بها أنثى في مواجهة أنثى أو ذكر.

ومن ثم ينبغي على مطربات الجيل الجديد أخذ الحيطة والحذر. وعدم الإعتداد الشخصي بقدراتهن الصوتية وتحصيلهن الأكاديمي أو الموسيقي وحده .. فهذا لا يكفي في ترجيح كفة القدرة على إختيارهن السليم لأغنية الحقيبة التي يرغبن في ترديد كلماتها ....... المسألة هنا تصبح كمثل خطورة عبور النهر بالقفز فوق ظهور التماسيح.

ذات مرّة وفي إطار خطة ممنهجة لنزع الهيبة والقدسية الطائفية من بعض البيوتات الدينية والنضالية  التاريخية الممتدة . إستطاع أحد مقدمي البرامج (الشباب الطروب) في فضائية سودانية خاصة إقناع السيدة مريم الصادق المهدي بالغناء .. فوافقت مريم المهدي على الغناء ، واهمة أن ذلك يقدمها في قالب عصري للشباب والناشئة .... وإختارت أن تردد أغنية "قائد الأسطول" .. على ظن منها أنها أغنية وطنية أو حماسية  ...

وبالطبع فقد وقعت مريم المهدي في فخ لا تحسد عليه .. حيث أن "قائد الأسطول" هنا إنما قصد بها الشاعر (سيد عبد العزيز) تلك الأنثى التي تسير في مقدمة صويحباتها أو جاراتها... أو تلك الأنثى (التي تقع عليها العين) من بين مجموعة الإناث في سربها.

وربما لو كانت مريم المهدي على صلة وثيقة بتاريخ السودان الحربي . لكانت قد وعت أننا لسنا بأهل أساطيل. ولم نخض يوماً حرباً بحرية. سواء أكان ذلك على ساحل واجهتنا البحرية الضيقة في البحر الأحمر أو  ما وراء أعالي البحار..... وحيث لا ينصح عاقل بفهم وتفسير كلمات أغاني الحقيبة بمعزل عن التاريخ والبيئة السودانية الصميمة.  

بغض النظر عن الجذور الإثنية والتنوّع . فقد تاثر شعراء الحقيبة بالثقافة العربية ؛ والعلوم والحضارة الإسلامية التي صاحبت تلقيهم تعليم أساس مكثف في الخلاوي ومدارج الطرق الصوفية بزواياها وتكاياها . وعزز ذلك فيهم الإرتباط الوثيق بالمجتمع والقدرة على قراءته بمعافاة .. وكان لمبدعيهم هذا الحظ المتميّز في جانب تصاريف الكلمة ، وتعدد المقاصد ، وثراء التعابير المجازية .... وإيتاء المعنى من حيث لا يدري ولا يحتسب المتلقي... إلخ.

...................

وعند إتخاذ الأغنية بعنوان "كم نظرنا هلال" للشاعر أبو صلاح ؛ التي رددتها إنصاف فتحي كمثال . نلاحظ ورود كلمة (زلال) على نحو قد يفسره البعض للوهلة الأولى بأنه وصف للماء . في حين أراد به الشاعر لعاب الفم اللزج الذي برشفه الذكر من الأنثى خلال القبلات الساخنة طويلة الأجل الممتدة.

وقد يسأل سائل: كيف تم إجازة هذه النصوص في الإذاعة؟

الواقع أن أغاني الحقيبة سبقت نشأة الإذاعة السودانية .. وذاع صيت معظمها في مناشط "اللعبات" . ورددها الناس قبل أن تنشأ (محاكم) لجان إجازة النصوص والألحان ...

وكذلك فقد ساهم برنامج "حقيبة الفن" الإذاعي واسع الإنتشار في تمرير هذه الأغنيات ، مباشرة من حقيبة الإعلامي الراحل "أحمد عثمان" إلى آذان ووجدان المستمعين ؛ دون المرور بحواجز تفتيش لجان النصوص والألحان ..

ثم أن الناس قد تعاضدوا منذ ذلك الزمان وحتى تاريخه إلى تصنيف هذه الأغنيات على أساس أنها "تراث" ، وكنوز ثقافية وطنية لا تقدر بثمن .... وتوافقوا بذلك على تركها كما هي عليه دون مساس.

 عند ترديد إناث المطربين لكلمات أغنيات الحقيبة التي تشتمل على غزل صريح (حِسِّي) في جسد المرأة تارة . ووصف لحالة إختلاء الحبيب بالمحبوب . ومطارحة العشق والهوى والغرام ... والإستغراق في القبلات والعناق . وحتى إفتراش النجيلة والدردقة فوقها ...  فإن المسألة تبدو بالفعل محرجة صادمة لأحاسيس المتلقي حين يستمع إليها من لسان أنثى.

 نعم ؛ كلٌ يغني أو يبكي على ليلاه (ما قلنا شي) .... ولكن ذكورية وأنوثة المطرب تلعب دوراً جوهرياً في تلقي المتلقي من حيث المبدأ.

وعليه فإن تفشي ظاهرة ترديد المرأة لأغنيات الحقيبة ذات التوجه المباشر في الغزل الحسي بامرأة أخرى . يفقد أغنيات الحقيبة خصوصيتها في تأصيل وتأريخ علاقات عاطفية كانت قائمة أو تدغدغ مخيلات ، وتداعب أحلام يقظة صبية وفتيات ، وزهو شباب ، وخبرات كهول ونساء ذلك العصر. إزاء علاقة عاطفية طبيعية لذكر  مع أنثى.  

وعلينا أن نكون حذرين في مجتمع أصبح يعاني الفقر والبطالة والفراغ .... وخيبة الأمل في الحاضر والمستقبل ...  والعنوسة من جهة ,,, وغزارة وسهولة الوصول إلى الفيديوهات والصور المحرضة لممارسة الجنس المثلي والشاذ في وسائط المعلوماتية من جهة أخرى....

وعند تناول بعض كلمات أغنية (كم نظرنا هلال) . فإنه يتبين لنا مدى عُهر أن تردد كلماتها مطربة أنـثـى. سواء في وجه ذكر أو أنثى مثلها.

يصف البيت الثاني من هذه القصيدة لُعاب فم المحبوبة بأنه وحده الذي يروي ظمأه ..

وبالطبع فإن الوسيلة المألوفة لتذوق طعم لعاب المحبوبة والإرتواء منه هو ممارسة القبلات الحارة الطويلة وإمتصاص الشفاه للألسنة :

[ما أظنه زلال يروينا غير زلاله]

والزلال هو مادة بيضاء سائلة شفافة لزجة توجد في اللعاب.

وإحساس أبو صلاح هنا صريح غارق حتى منتهاه . فلم يستخدم كلمة "رضاب" . والرضاب هو الريق المرشوف من جانب صاحبه . أو الذي يرضبه الرجل من فم المرأة . ولكن الرضاب لا يكون لزجاً كالزلال .... ولذلك  أراد أبو صلاح هنا تعميق الفحولة من جهة ؛ ثم توضيح السمات العملية للحميمية العاطفية بين الإثنين الذكر والأنثى في عقل المطرب ووجدان المستمع.  فاستخدم زلال عوضا عن رضاب.. وبما يفيد اللهفة والشبق وكيفية إستخلاص العاطفة والمزاج والرغبة .. وآلية التعبير عنها لدى كل طـرف.

فما هو رأي مطرباتنا الإناث هنا؟

مجرد التفكير في هذا الأمر هو كارثي بحد ذاته.

فهو إن كان يعبر عن علاقة أو إحساس أنثى تجاه أنثى ؛ فهو شاذ مرفوض ومحرم وممقوت.

وهو إن كان يعبر عن علاقة إنثى بذكر . فإنه جنوح غير مستساغ . لما يؤدي إليه من إنقلاب في الأوضاع ،  في الأداء النوعي الفطري...... وبرود لدى الذكر بمرور الأيام.

...........

ثم تأمل قوله :

[يتيه يصد باسم آه ما ألذ دلالو]

ولايستقيم هنا أن تردد إمرأة مثل هذه "الكلمات" في توصيف علاقتها بإمرأة أخرى في الظروف النفسية العادية الغير شاذة.

كما لا يمكن بأية حال من الأحوال تحميل المقصد هنا على أنه تعبير عن شكوى إمرأة تجاه رجل . فاللغة لاتحتمل إلا الإستقامة في المقصد ؛ بمعنى أن الرجل لايوصف في علاقته مع الأنثى بأنه يتدلّل عليها . (الدلال) و (التمنُّع) لايكون إلا من جهة الأنثى ... وأمضى أسلحتها جاذبية.

.........

ونأتي لتفسير قوله:

[ألذ شي قربو بذل النظر في دلالو]

وهو يريد بذلك أن ألذ ما يشمله من أحاسيس هي عند إدمان النظر والتأمل في دلالها وسبر مقاصده ، رغم أنها رضيت الإختلاء به والجلوس إلى قربه..... وإفتراض الإختلاء هنا ضرورة لازمة .. فالشاعر يتحدث عن محبوبته وليس زوجته ... وهو ما يعني أنه يلزم الطرفان العاشق والمعشوق الإختباء عن اعين الناس حين الإختلاء.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : أي أحاسيس وجدانية تستطيع بها كل من المطربة إنصاف فتحي وأخريات نقلها لنا ، لجهة الزعم بتلذذهن (كإناث) بالإختباء للإختلاء والألتصاق بهذه الأنثى ، ومعانقتها ، وإدمان النظر إليها ، وتلذذ القلب بإستقبال وتفسير معاني وأسباب دلالها؟

إنه إحساس مخيف بلا أدنى شك ,,, وتقشعر له الأبدان.

والجدير بالذكر أن المرأة إذا حدث ونظرت لإمراة أخرى فإنها تنظر إليها بطرف خفي لكنه لا يأخذ وتيرة الإدمان .. كما أن أهم ما يلفت نظر المرأة تجاه المرأة الأخرى هو ثوبها وهل ألوانه متناسقة مع الحذاء والشنطة والفستان أم لا ؟ وهل هو راتي مثلاً أو توتال؟ . ونوع المكياج وكريم الأساس .. وهل هو إستايل أم بلدي . .. وهل هو شعبي أم ماركة ... ثم وتدمن النظر إلى طقم الذهب الذي تلبسه وتنشغل بتقدير وزنه وثمنه ومتجره وصائغه .... وهكذا تكون المرأة العادية في إنتباهتها مع الأخرى.

الأكثر طرافة في أبيات هذه القصيدة هي تلك الأبيات التي تصور إلتصاق الحبيب بالمحبوبة والمعانقة .. وأسباب إنحناء جسدها اللين الرطب ملتصقاً به . وذلك عند قوله: اري الغصون بتميل واقول هواها امالو

على الخلاف واذا ميّل علي زمالو

ثم هو يصف لدانة جسد المحبوب إلى درجة يظن فيها الشاعر أن الهواء الخفيف الصادر جراء تمايل هذه الغصون هو الذي تسبب في تمايل وإلتصاق محبوبته به. سواء كان إتجاه ووضع إلتصاقها به على التضاد أو إذا مالت عليه ميلة العرجاء في سيرها. حيث "تتكي" بقوة على جنب ثم تتكي على مَهل ... فيكون الإلتصاق هنا أشد وأطول . والترك أقل وأخف ......

وربما يكون الشاعر قد قصد عند قوله "زمالو" هنا تزمُّل (إلتحاف) الجسد للجسد بالمعانقة. .... ولكن التشبيه بمشية الأعرج أشمل وأكثر تفردا وجديد.

 في نهاية المطاف لا يرغب هذا المقال في تفسير القصيدة . فالمجال لا يتسع هنا . وإنما تقتصر الرغبة في توجيه الإنتباه إلى محاذير ترديد إلمطربات كلمات أغنيات ذكورية.

وأما إذا لم يكن من الأمر  بـد . فلا أقل من أن تلجأ المطربة إلى شخص يشرح لها كلمات أغنية الحقيبة التي ترغب بترديدها . حتى تدرك ما إذا كانت تصلح لتغني أنثى بها على الملأ . وفي المحافل الإعلامية أم  لا؟ 

وأما إذا لم يكن من الأمر بـد . فلا أقل من أن تلجأ المطربة إلى شخص يشرح لها كلمات أغنية الحقيبة التي ترغب بترديدها . حتى تدرك ما إذا كانت تصلح لتتغني أنثى بها على الملأ . وفي المحافل الإعلامية أم لا؟




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف