مواضيع اليوم

لتعارفوا.. حتى نعيش بسلام ونعمر الأرض

د.عزيز سعدون

2017-09-27 02:23:16

0

 

أرسل الله محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للناس كافة, وأنزل إليه القرآن الكريم ليبلغ رسالات ربه وليكون مرشداً لهم إلى كل خير وداعياً لهم إلى عمارة الأرض وإحقاق الحقوق وإفشاء السلام والتعاون على البر والتقوى, وكل هذا جاء فيما يمكن أن نسميه قوانين قرآنية أو أوامر ربانية في القرآن الكريم, القوانين أو الأوامر التي يمكن أن تكون نبراساً يضيء الدروب المظلمة لأهل الحق وحبلاً من حبال النجاة للغارقين في وحول الظلم أو الجهل, و سنداً يتكأ عليه في الملمات والمحن من أراد.

قانون “لتعارفوا”

من القوانين التي وضعها رب العالمين في القرآن الكريم للوصول بالبشرية عامة والأمة الإسلامية خاصة إلى الجمع والوحدة والقوة والتآزر والتحابب والسلام والإخوة وإحقاق الحقوق هو قانون “لتعارفوا”, القانون الذي ورد في سورة الحجرات حيث قال الله تعالى:
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل.. لتعارفوا!”
قانون التعرف على الآخر, التعرف على ثقافته وعاداته ومعرفة أخباره وأحواله, ولا شك إنه من دون هذا سيكون هناك إشكالات كثيرة بين الشعوب عامة والشعوب الإسلامية خاصة, فلا يمكن أن تعيش وتتعايش شعوب كثيرة مع بعضها مختلفة الثقافة والعادات والتفكير والتقاليد وهي لا تعرف بعضها بعضاً بالشكل المطلوب والضروري لكي تستمر هذه العلاقة بسلام وبالشكل المطلوب.

نلاحظ إن الخطاب الرباني موجه إلى الناس كافة على اختلاف أعراقهم وألوانهم وألسنتهم وأفكارهم, وإن كانت الحاجة تدعونا الآن حسب اعتقادي إلى العمل على تعارف الشعوب الإسلامية أو الشرق أوسطية لتكون أساساً أو منطلقاً للتعارف الكبير بين شعوب الدنيا.

لا شك أن أفضل السبل إلى ذلك, أي إلى تعارف الشعوب وتقاربها هو قراءة تاريخ الآخر, والقصد هنا أن تقرأ الشعوب تاريخ بعضها بعضاً وتتعرف على بعضها حتى تتقلص مسافات الفرقة بينهم وتقترب قلوبهم من نقطة الالتقاء والمحبة. فكتب التاريخ مدون فيها أخبار الشعوب وعاداتهم وثقافتهم وطرق تفكيرهم وكيفية تعاملهم مع الآخر المختلف عنهم.
يقول العلامة محمد علي عوني في مقدمة كتاب “خلاصة تاريخ الكرد وكردستان”
إن الإخاء الإسلامي يحتم التعارف بين شعوب الإسلام, تسهيلاً للقيام بالواجب المشترك, وتحقيقاً للمثل الأعلى في الحياة الإنسانية. ولا تعارف من غير تعريف, وخير ما يعرف الشعوب بعضها ببعض, تدوين كتب خاصة عن تاريخ كل شعب تجتلي ما خفي على الأنظار من أنبائهم وأطوارهم, بعد دراسة شاملة. إذ بذلك يطلع كل شعب على أحوال الشعوب الأخرى من أخوانه في الدين والإنسانية, فيتعاونون على إحراز قصب السبق في مضمار الرقي البشري بالطريقة التي جرت عليها سنة الله في الكون, ويعلون شأن الإسلام وشأن شعوبه.

هل تعرف الشعوب الإسلامية بعضها بعضاً؟

هنا يخطر على البال سؤال, هل تعرف الشعوب الإسلامية بعضها بعضاً, إنني أكاد أجزم بأن عدد غير قليل من أفراد الشعوب الإسلامية يحملون أفكاراً ومعلومات خاطئة ومشوهة عن الشعوب الأخرى, وهذا ما يؤدي إلى قيام الكثيرين من أهل الجهل والفساد والإفساد في الأرض بكتابة مقالات وأبحاث وإصدار كتب تحمل بين جنباتها ما يفرق الناس ويبعد القلوب عن بعضها ويؤدي إلى ردات فعل مضرة بالجميع تؤدي إلى الفرقة والتناحر, وأيضاً يؤدي إلى أن يتبنى أفراد آخرون هذه الآراء والأفكار المغلوطة والمشوهة, وبالتالي زيادة نسبة الكره والحقد في القلوب وهو ما يؤدي بأفراد هذه الأمة إلى التناحر والتشرذم والخصومة أكثر فأكثر.

أعتقد إن تطبيق هذا القانون القرآني بالشكل الصحيح والسليم له فوائد كثيرة وعظيمة, فبالإضافة إلى إنه يؤدي إلى الوحدة والخير والسلام والتعاون والتفاهم بين الشعوب الإسلامية, فإنه أيضاً يؤدي إلى اختفاء الفروقات بين الشعوب الإسلامية, فلا يتفاخر أحد بعرقه أو قبيلته,ليعلم كل من يظن إن رفعته وتقدمه ونهضته مرتبطة بضعف وهوان وهزيمة شعب آخر واهم وظالم لنفسه قبل غيره, فلا ننسى إن قوة الأمة بقوة شعوبها وأفرادها, وإن نهضة الأمة بتكاتف وتعاون كل أبناءها.

يقول الإمام الشوكاني في فتح القدير في تفسير الآية التي وردت فيها قانون التعارف:
والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه، ولا يعتزى إلى غيره، والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة، لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب، وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن.

إن المطلوب اليوم من الشعوب الإسلامية عامة والمصلحون وأهل الفكر والثقافة والعلم وشباب النهضة منهم خاصة أن يقرأو عن تاريخ شعوب الأمة الإسلامية قراءة سليمة من كتب محققة- بعيداً عن الأفكار الظالمة والأحكام المسبقة والاعتماد على ما تنشره بعض وسائل الإعلام المفرقة للأمة والمفسدة في الأرض- ويكتبوا عنهم أبحاث ودراسات وكتب صحيحة المعلومة, ويقدموها لكل أفراد الأمة ليقرأو ويتعرفوا على الشعوب الأخرى.. ليتعارفوا, وهذا ما سيؤدي إلى إزالة سوء الفهم الحاصل وكبح جماح المفسدين الذين ينشرون السم القاتل لروح الوحدة والسلام والتآخي, وحتى تذوب أسلاك سوء الفهم والتفرقة وتتقلص المسافات بين أبناء الأمة الواحدة.

لتعارفوا.. حتى نتوحد ونساهم في بناء الإنسان ونهضة الأوطان وعمارة الأرض.
لتعارفوا.. حتى نعيش بسلام ونعمر الأرض.


 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف