مواضيع اليوم

كلماتٌ تحتَ المُجهِر (شَر).

محمد مزكتلي

2018-01-28 10:44:44

0

     كلماتٌ تحتَ المُجهِر. (شَر).

 

(شَر)، جَذرٌ سامي.

هو الجزء منَ الأصل, والأصلُ منَ الجزء.

قالَت العرب، شَرَّ الماء منَ الجرَّة.

 

اشتقَّت العربيةُ من هذا الجَذر الفريد مَعاني ومفردات ,يصعب حصرها.

أولها ، مفردة (بَشَر).

البَشرُ مَهما اختلفوا وتلَوَّنوا، هم في البِدايةِ.

من أصلٍ واحد، طينٌ لازِب.

يقولون بأن بشر كلمة تعني اللحم.

ودليلهم هو أن البشرة هي من اللحم.

وكأني أراهم قد اشتَقُّوا الأصل من الفَرع.

 

لكن من أين اكتسبَ هذا الجَذر تلك السُمعة السيِّئة؟.

وحمَلَ معنى الشَّر، الَّذي هو عكس الخير؟؟.

قِيلَ بأنَّ البَشَر هم مَن فَعلوا ذلك!.

لكن رُغم مَنطِق هذا القول، إلّا أنَّ الفاعل هو أمرٌ آخر!.

هو الحَطَب.

يرمي بجمراته هنا وهناك أثناء احتراقه.

هي أجزاءٌ صغيرةٌ تنسلخُ عن الأصل.

تلك الشرّاة أو الشرارات المتطايرة.

تُحدِثُ الألَم والأذى حيث تقع.

والحرائق والدمار والخراب.

وهذا مبلغ هَم الشر.

مَهما اختلفت طرقه وأساليبه.

العربية بفصاحتها المعهودة ,وفِطْنتها الغير محدودة

تأخذ المعنى الآخر للجَذر شر ,وتُبْدِعُ لنا ما يثير الدهشة والإعجاب.

(باشَرَ)، فعلٌ يعني التقى.

المباشرة هي الالتقاء.

وعندنا هنا الحديث المباشر ,واللقاء المباشر ,والبث المباشر.

مَنْ مِنّا لاَ يعرِف نداء أبو سفيان المشهور(يا معشرَ قُريش).

(المعشَر)، أفرادٌ تجْمعهم روابط العيش والبيئة والمصلحة.

ويكونوا عُصبة أو قَبيلة أو حي، وعشيرة.

المعاشَرة، المصاحَبة لخدمة هدف مشترك.

(العشيرُ)، هو الزوج , عَشَّرَت الناقة أي حبلت.

(العشَرَةُ)، تمام أصابع اليَدين.

 

تنقلنا عربيتنا الرائدة من جديد إلى الطرف الآخر.

(النَّشرِ)، الإفرادُ والتوزيع.

نَشَرَ الثيابَ المغسولة ، أفردها على الحبل.

من الحبلِ نَشَلَت العربية ما يسمح لها خيالُها الماتع

وقالت نَشَرَ المؤلفُ كتابه, ودار النشر والمنشورات والمَناشير.

(النَّشرُ) أيضاً هو التقطيع، والمِنشار آلَتَهُ.

ما أجمل العربية!؟.

نعم، ما أجملَها وهيَ تَصوغ فعل الأمر (بَشِّرْ).

نَحَتَتْهُ بكلِّ مهارةٍ من العبارة، أبعِد الشَّر.

وكأنَّهُ يقول، حدثني خيراً ولا تقُل شرّاً.

(البَشيرُ)، من يُحَدِّثُ الناسَ بالخير.

(البَشّارَة)، الفراشة تُعلِنُ عن قدوم الربيع.

(التباشير)، أمارات وعلامات تَتنبّأُ بقدومِ الخير.

تباشيرُ الربيع، تباشيرُ النصر، تباشيرُ العيد.

مِنَ الخطأ القول، تباشيرُ العاصفة أو تباشيرُ الهزيمة.

سؤالٌ هنا :هل الطباشير التي يُكتَب بها على السَبورة لها مكان هنا؟.

الجواب نعم، وقد قامَ الدليلُ على ذلك.

العربُ كانوا يستعمِلون هذه الحجارةُ الجيرِيةُ البيضاء.

ليرسموا بها علاماتٍ وإشارات.

على الصخورِ عبرَ مسيرَهم في الصحراء

لتكونَ دليلَ السالكين إلى النجاةِ والسلامة.

وقَلْبَ التاء بالطاء ,والسين بالصاد ,والكاف بالقاف مشهورٌ في لغتنا الجميلة.

وهذا هو أصلُ الإشارات الطُرقية ,والشاخِصات المرورية التي نعرفها اليوم.

هذا يفضي بِنا إلى عالَمٍ من السِحرِ والخيال اللغوي

الذي تجودُ بهِ لغتنا العظيمة.

في كلِّ مفردةٍ ومعنى ومصطلح!؟.

وما يؤكد ذلك تماماً، الفعل (شَارَ).

(شارَ)، قَدَّمَ النصيحة أو التنبيه أو التحذير أو الإرشاد.

وكل المفردات التي إن أخذْتَ بها سلِمْت.

نقرأ هنا، المشير، الشورى، المستشار.

 

نصلُ إلى مفردةِ، (شَجَر).

شَجَرَ عن، نَجَمَ عنه وانبثَقَ منه.

تأمَّل الشجرة يا صديقي.

ثمار، أزهار، أوراق، أغصان.

وكل هذا من أصلٍ واحد!؟

أما (الشِجار)، لا علاقة لها بالجَذر شر

لكن العربية أرادت أن نَنْحني أمام جلالَتها

حين استلهمت تشابك الأيدي والرؤوس بتشابك أغصان الشجرة!.

 

(شَطَرَ)، قَطَعَ الشيء إلى قسمين متساويَين تماماً.

وهذا استدعاءٌ للدقةِ والمهارة.

لأن العربية لا تتْرُك بَاباً إلا وتطْرقُه.

وفتحت لنا بابَين هنا

الأول : هو الشاطر، أي الماهر

الثاني  هو الشطر، نظيرُ نظيره.

هنا أتذكر طُرْفةً قالها مجمع اللغة العربية.

حين عَرَّبَ كلمة سندويشة

بأنها الشاطر والمَشطور ,والكَمْخة التي بينهما!؟.

طبعاً، لم يعمل بهذا التعريب أحد.

 

صديقي القارئ: لنا هنا وقفة مع مفردة، (شعر).

لهذه المفردة ثلاثة معاني متغايرة.

(الشَعر)، ما يغطي الرأس والبدن.

(الشُعور)، ما يعتمل داخل النفس.

(الشِعر)، ، الكلام المقفى المَوزون.

وليس من الصعب على العربية.

أن تُكَوِّن كل هذه المَعاني من الجَذر شر.

الشَعرُ الذي يغطي الرأس ,واضح بأنه من الجَذر شر.

أما الشِعرُ والشعور.

فهما مرتبطان في المعنى ارتباطا وثيقاً

ولكي نفهم الشعر، يجب أن نفهم الشعور أولاً.

خَلَطَ الكثيرون بين الشعور والإحساس!.

مع أن العربية تؤكد على أنهما مختلفان تماماً!.

الشُعورُ هو رائزٌ داخلي، وما يعتمل في داخل النفس.

الإحساسُ هو مؤثرٌ خارجي، تستقبِلهُ الحَواسُّ الخمس.

نقول، شَعَرَ بالخوف، وليسَ أحَسَّ بالخوف.

وأحَسَّ بالبرد، وليسَ شَعَرَ بالبرد

المشاعر هي الفرحُ والحزن، الخوفُ والأمان، الجوْعُ والعطش، الحُبُّ والكراهية.

اليأسُ والأمل، الرضا والغضب، القرَفُ والاشمئزاز، الحَسَدُ والقهر، الخجلُ والغرور والوحدة.

والاغترابُ والحنينُ والقلقُ والشوقُ والحيرةُ والفخرُ والذُّل.

الأحاسيسُ هي، الحرُّ والبرد، اللَّذَّةُ والألَم، الصوتُ والصورة، الطعمُ والرائحة، الضغطُ والفراغ.

الخِفَّةُ والثِقَل، الراحَةُ والتعب، الخشونةُ والنعومة، الصلابةُ واللِّين.

القساوةُ والطراوة، القبحُ والجَّمال، الحَكَّةُ والسَعلَةُ والعطسة.

وعلى هذا، أخطأ الشاعر الكبير نزار قَبّاني حين قال، أشعر بالبرد!.

وغَنّاها المطرب كاظم الساهر، رحِمَ الله الأول، وغفَرَ للثاني.

عزيزي القارئ:

إن الشعور لا يأتي لِوحده، بل هو نتاج مجموعة من الروائز.

والأحداث والانفعالات.

إضافةً إلى مستوى الإدراك والتعليم والخبرة.

مع الخيال والتصور وحِوار النفس والعاطفة.

ومن كان له القدرة على التعبير عن كل ذلك.

بفَصاحةٍ وبلاغةٍ وبيان، كانَ هذا هو  (الشّاعِر).

وما يقوله هو (الشِعر).

وإليكم هذا الشعر العظيم...

شرَى الحب في قلبي كما يشري الدم في جسدي!!!.

(شَرَى)، توزَّع وانتشر

أي أن حب حبيبتي انتشر في جسدي.

كما يتوزع الدم عبر( الشرايين).

وها أنا شرحت هذا الشعر العظيم المعقد المُركب

لأن (الشَّرح) هو التجزئة والتفكيك والتفصيل والتحليل.

(شَرَد)، ترك أصله، فارق الجماعة.

(الشَّريدْ) ، من لا وطن لهُ ولا أهل.

في عِلْمِ الكيمياءْ، (الشاردة) هي ذرة تتْرك عنصرها وتذهب لمكان آخر.

وكل الدراسات للظواهر الكيميائية، يجب أن تكون تحت الشرطَين النظاميَّين.

(الشَّرط)، المُحقق لما يُراد أن يتحقق، مع لزومه وضرورتِه.

هذا ما نعرفه، لكن العربية تروي لنا رواية مختلفة!؟.

الشرط عندها هو حبل يلف حول الخصر.

تُعلَّق عليه السكّين وقرْبة الماء وحَجر النار والعصا.

وكل ما يلزم في التنقُّل والترحال.

وقد يُعلَّق على الكتف.

واليوم هو الشريط الحريري الأحمر الذي تعلق عليه الأوسمة والنياشين.

من هنا نفهم ما هو شريطُ الحدود وشريطُ الكهرباء وشريطُ التسجيل

والشريطُ اللاصق وشريطُ الأخبار في أسفل شاشة التلفاز.

 

الشريطُ أيضاً، هو الحبلُ الذي تُربَط بهِ الجِمال وراءَ بعضها، وتُشكِّل القافِلة.

والذي يربطها  هو (الشُرطي).

تعدَّى عمله إلى المراقبة وخدمة القافلة.

هو في النهاية مسؤول عن أمنِ القافلة وفرض النظام والحماية.

وهذا ما نعرفه اليوم عن رجالِ الشرطة.

أوغلت عربيتنا الفَذَّة في هذا المعنى

حين أطلقت على الحبل الرفيع الذي يربط أجزاءَ النعلِ ويضمَّهُ حول القدمِ بالشِراك.

وظلَّت ماضيةً في روعتها واستوحت من تشابك شِراك النعل وقالت، (الشَّرَك).

وهو حِبال المكيدة أو الفَخ.

اللهم لا تُوْقعنا في (شِراكِ) الشيطان.

فكلُّ دُروبه تؤدي إلى (الشِّرك).

فَلا شركة ولا مُشارَكة مع الله.

الواحد الأحد، مالكُ المُلْك.

آمنّا يا رب وصدَّقنا.

 

هذا كل ما استطعت جمعه عن الجذر، شَر.

الذي تأرجحت في دلالاته لغتنا الجميلة من النقيض إلى النقيض.




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف