مواضيع اليوم

عيد الفن وعودة الروح .

أحمد قيقي

2014-03-15 23:28:05

0

صافحت  عيناى  يوم الثلاثاء 11 مارس عنوانا فى صحيفة القاهرة  فحواه انه سيتم الاحتفال بعيد الفن بدار الأوبرا المصرية  يوم 13 مارس الحالى , وأن الرئيس عدلى منصور سيحضر هذا الاحتفال , .  اعتبرت أن هذا حدث مهم  وله دلالة  بليغة   على توجه  الدولة  وطبيعة فكرها  , وثقافة المجتمع  الجديد  المرجو بزوغها على يديها  ,.  اخذت أتابع  تفصيلات هذا الخبر فى شتى قنوات التلفاز المصرى  ولكنى لم أجد له  أثرا   فتصورت  أنها كانت  فكرة ثم تراجعت الدولة عنها  بسبب الأحداث الراهنة .  وكان   أن فتحت التلفاز  مساء يوم الخميس 13مارس  فوجدت الحفل مذاعا على قناة النيل الثقافية  دون غيرها  , وكان الأمر يبدو بالنسبة لى  غريبا  مشوبا بشئ  من عدم الرضا   أن يقام حفل يحضره رئيس الجمهورية  ثم يجرى عليه تعتيم إعلامى بدا أنه مقصود  , ربما لأن المسؤولين  لا يزالون يضعون فى اعتبارهم  فكر قطاع  من الشعب المصرى  يعتبر الفن مرادفا للطرب الذى يتنافى مع ما تمر به البلاد من ظروف ,بالإضافة إلى  الكتلة الاسلامية التى ترى الفن  عورة وعارا وإثما يجب  اجتنابه   ولا شك ان الحكومة المصرية لا تريد  أن تعطى لهذا التيار  ورقة جديدة يستخدمها  فى التشنيع على نظام الحكم القائم  ويتهمه  بمعاداة  الإسلام  .  .المهم  ان الاحتفال قد  تم وألقى فيه  الرئيس كلمة رزينة  لم تكن خالية من مفردات  الخطاب الدينى

هنا أذكر  أن أول مرة تم الاحتفال فيها بعيد الفن كان فى عصر السادات عام 1976 حيث قام بتوزيع الأوسمة على عدد من الفنانين   , ولكن  هذا العمل قوبل بالرفض  من تيارات الإسلام السياسى  التى اخذ صوتها يعلو  فى الأفق المصرى  بسبب  السادات نفسه الذى ترك لهم حرية القول والانتشار  وبسط سطوتهم الفكرية  والسلوكية على المجتمع ,   وكان من الملفت للنظر أن  عيد الفن قد تم إلغاؤ عام 80   تحت ضغط من تيار الإسلام السياسى ,  ومن المفارقات انه فى الوقت الذى كان السادات فيه  يسترضى هذا التيار ويمالئه   كان  هذا التيار يعد العدة  لاغتيال الرجل الذى أخرجهم من سجونهم ومكنهم  من دور التعليم   وووسائل الإعلام .   ومضت الأيام   ونفذ الإسلاميون خطتهم باغتيال السادات فى أكتوبر  81  وجاء  مبارك  الرجل العسكرى الذى يفتقر إلى اى قدر من الثقافة أو التوجه الفكرى او حتى السياسى  , حيث أرى أنه اول رئيس مصرى  ليست له خلفية ثقافية أو انتماء سياسى  يوجه خطاه ويقود حركته   فترك الأمر لأعوانه  الذين  أقنعوه بسياسة - سكِّن تسلم -   فلم يقم بأية مبادرات  على أى مستوى ثقافى او سياسى  ضمانا للاستقرار والهدوء والبقاء فى السلطة وتوريثها .  . وحدثت عاصفة يناير 2011  التى أنهت حكم مبارك  ,  ولكن  هذه الثورة سرعان ما سقطت فى يد  التيار الإسلامى  بمساعدة أعوان مبارك من العسكر  الذين كانوا على شاكلته يفتقرون إلى أى حس ثقافى أو عقيدة وطنية , .  وزحف   التشاؤم والحزن  على قلوب المفكرين والمبدعين  فى شتى ألوان الإبداع   وارتدى  الفن المصرى ثوب الحداد  وأصبح  الجميع ينظر إلى هذا الوطن وهو يخلع ثياب حضارته عنوة  , وقام النظام الإخوانى  بوضع انصاره فى مواقع السلطة  حتى قام بتعيين وزير للثقافة  كان من أعضاء الجماعة الإسلامية الأكثر تطرفا  والتى يؤمن أفرادها بحرمة الفنون بجميع ألوانها  , وبدأت تعلوا  نبرة - الفن الإسلامى   مع ان الفن لا دين له  .  وكاد اليأس يعصف  بالأمل فى ان تستعيد مصر روحها إلى أن حدثت ثورة 30 يونيه  وتم إقصاء هذا التيار الظلامى عن مواقع السلطة  مما يعتبر شهادة  للعقل  والوجدان المصرى  بأنه لم يفقد روحه ولا حيويته رغم عقود  من القهر والكبت والتخويف .    ومرت  بالبلاد أحداث إرهابية خطيرة   ووسط هذه الأحداث يأتى الاحتفال بعيد الفن   ليمثل  بشارة  جديدة  ودالة  على  توجه  الحكومة المدنية الحالية   وليرسل رسالة  إلى العقل المصرى  وإلى الفكر العربى عامة  أن الفن المصرى  لم يمت  وأنه سيستعيد عافيته  وقوته و جماله  .  . إن مصر  لم تأخذ ريادتها للعالم العربى  ولا سمعتها الحضارية  فى أرجاء الأرض  لا من  صياح  بعض القادة  ولا من  صراخ شيوخ الدين  ولا من  علوم  الأزهر  ووعظ  شيوخه   ولكنها  اخذت تأثيرها  من هذا  الجميل الذى يتهادى  دون صخب  أو ضجة  ليتسلل إلى القلوب والمشاعر  وهو الفن   .  لقد أقمت فى إحدى الدول العربية عدة  سنوات   وفوجئت  بأن  اللهجة المصرية تجرى على ألسنة الأهل هناك   واضحة سلسة بينما عانيت أنا فى البداية  من فهم لهجتهم المحلية  , ووجدتهم يتحدثون عن أم كلثوم وعبد الوهاب  ويتابعون المسلسلات المصرية  أكثر من متابعتى لبعضها  .   نعم  الفن المصرى  هو الروح الكامن  فى وجدان المصريين   . لا يوجد شعب  يغنى فى الأحزان كما يفعل المصرى , العدودة المصرية نموذج لذلك  , الفن المصرى هو الناى والأرغول  هو  غناء الفلاحين وهم يحصدون  محاصيلهم ليهون عليهم إرهاق العمل  هو الموال  الذى كان يسمر به أهل القرى فى سهراتهم  هو قبل ذلك  معجزة الأهرام والتماثيل والمعابد الفرعونية  , هو  صوت أم كلثوم  بكلمات احمد شوقى وأنغام السنباطى  ,  هو  هذه الأغانى والرسوم  التى ملأت ميادين مصر أثناء  ثورتى يناير  ويونيه  ,  الفن  المصرى هو  عزاؤنا حين نحزن  وهو فرحنا حين نسعد  .  / أبدا  لم يكن الفن المصرى  انتقاصا  من العفة  ولا  خصما من الفضيلة   , بل على العكس من ذلك تماما   حيث انتشرت  الممارسات المنافية للعفة  والمناقضة  للفضيلة  من جرائم  عنف واغتصاب وسرقات   انتشر كل  ذلك  مع انتشار ثقافة  التحريم  ومعاداة الفن   , الفن  لا يستثير الغرائز بل يرتقى بها  ويفتح أبواب الخيال والعقل ويثرى الوجدان  .  شكرا للذين  أعادوا  عيد الفن   وأرجو  ان يكون ذلك  بشارة بعودة الروح المصرية الأصيلة الراقية  الرافضة   للجمود والقيود   المتطلعة إلى مافى ماضيها  من جمال , المستبعدة  ما فيه من أفكار ظلامية  لن  يتصدى الفن  لقمع أصحابها  لأنه لا يجيد القمع أو القتل  بل ينفر  من  العنف  والدمار  بل رسالة الفن  أنه فقط سيضيئ الطريق أمام عقول هؤلاء  لينضموا  إلى  صفوف  وطنهم  من جديد  ويشربوا من معين  فنونه  وثقافته الإنسانية  الراقية  

 

إ

 

ا




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف