مواضيع اليوم

خولة شنوف "فارسة ضدّ المنجنيق"

محمد سعيد مزوار

2017-11-16 08:02:47

0

 

لقد اعتدتُ على قراءة الكتابات الجزائرية، لطالما رافقني في مسيرتي الكثير من الكتّاب الجزائريين، كانوا حاضرين في حقيبتي دائما، إذ سافر معي أمين الزاوي وكان مرافقي الوفي، وسافرت معي أيضا آسيا جبّار  وأيضا رشيد بوجدرة، كدتُ أحفظ رواية حيّ الصنوبر لربيعة جلطي، ولا أزال إلى الآن أحفظ مقاطع من روايات أحلام مستغانمي، ولا أزال أردد في خلواتي أو عند الاصطدام بمواقف اجتماعية غير متوقعة في خاطري بعضا من كلمات وردت في روايات ياسمينة خضرة أو مقولات ذكرها كمال داود في مقابلاته الصحفية أو كتبها يوما ما على عموده الذي كان يصدر على صفحات مجلة "النقطة" أو حتى جريدة "يوميات وهران"، موسيقى "معطوب" الامازيغي الشريف لا تزال تشكل حسي الثوري ضد الظلم، وكلماته القوية للغاية لا تزال تنفذ كل مرة في روحي من أجل تهذيب حسي الذي لطالما تصدّ لشغفي بالذوبان في العولمة مستنجدا بالثقافة والتراث الخالد للأمم.

لكن مع دخولي إلى عالم الكتابة والثورة، صرت أهتم أكثر بالمدونات الالكترونية والمدونين الالكترونيين، لأنني وجدتُ فيهم وضوحا أكثر وصراحة أبلغ، ولمستُ بين ثناياهم الكثير من البراءة والدقة والصفاء والكثير من الصدق الذي يجلد ذواتنا حينا، ويعاتبنا أحيانا أخرى، كما أنه لا يتوان في خلق حوار داخليّ بين الإنسان وروحه العميق للغاية، لهذا ليس من السهل الدخول في عالم لم نعتد عليه، عالم يعطي الأولوية لجيل جديد من الكتاب، هم أناس بسطاء يعبّرون عن مواقفهم، مشاعرهم وحتى أفكارهم بحرية تامة بعيدا عن سلطة دور النشر النفعية، أو أيديولوجيات وسياسات الصحف والمجلات التحريرية.

ومن منطلق حرية الرأي الجارفة هذه على الشبكة العنكبوتية من جهة، وحبي الكبير للقلم الجزائري بالخصوص، التقيتُ بشابة جزائرية من عمق الثقافة العربية الاسلامية، تلك الدمشقية المغتربة في وطنها الجزائري، وهي تعبّر بطريقة الكبار عن مبادئ وأفكار يحتاجها العالم الجزائري بكلّ فخر تدعى بـ: خولة شنوف.

هذه الشابة هي صناعة جزائرية عربية خالصة، من يقرؤها سيكتشف فتاة ثائرة تكتب مواضيع خالدة، ونصوصها تقترب من العقل والقلب معا، بينما تواجه وترفض كافة أنواع الطغيان، منذ أشهر عديدة وأنــا أترقب مقالاتها وألتقط كلماتها، بل صرتُ معجبا بما تكتب إلى حدّ الانبهار، وكأنني أقف أمام مارتن هايدغر أو ايمانويل ليفيناس، لكنها في الحقيقة هي كلمات وأفكار تلبس "حَايِكًا" جزائريا.

هناك الكثير من الافكار النابعة من العمق تكتبها الكاتبة شنوف خولة، منها ".. هناكَ مفتاحُ البيت، هو مهمٌ إلى درجةِ أنّكَ لا تستطيعُ الاستغناءَ عنه وفي نفسِ الوقت إذا ضاعَ منك تستطيعُ أن تغيّر القفل وتأتي بمفتاحٍ جديد بأسرعِ وقتٍ مُمكن ويقابله هنا: ذلك الصّديق الذي لا تملُّ مِنْ رؤيتِهِ ومَجالسِه، رفيقُ ضحكاتكَ وأيامكَ التّعيسة والسّعيدة، إذا حصلَ وفقدْتَهُ يوماً لظرفٍ ما فسيتركُ فراغاً كبيراً في قلبكَ وحياتك، ولكن مع الوقت ستعتادُ على غيابهِ ولوْ مُجبراً، وسَيُصبحُ لديكَ أصدقاءُ جُدد يملؤونَ الفراغَ الذي تركُه خلفَه... "، وهناك أيضا: "... مثلَ هذهِ القصص تحدُث مع الكثير. تقفُ حائراً لتتساءل: كمْ مِن العُمر والوقتِ يكفينا لنمتلكَ نحنُ أيضاً تلكَ الشَّجاعة. شجاعةَ التخلّي عن كلّ شيء دونَ الالتفاتِ إلى الوراء. وعلى مبدأ تعدّدت الأسباب والتخلّي واحد. قد يأتيكَ التخلّي على هيئةِ "صديقٍ" اختارَ أن يُدير لكَ ظهره ويترككَ بمفردك وأنتَ في أمسِّ الحاجة إليه...." وتقول: "... وجدنا أنفسُنا متورطينَ في كوارثِ بلداننا البائسة. ننتظرُ بألم الدرجةَ التي ستتمادى فيها الحياة وهي تعبثُ بنا. بعد أنْ اقتلعتْ أحبابنا وأصدقاءنا وأوطاننا وبعد أنْ داسَتْ على ذكرياتنا وجعلتنا نرتدي حدادَ الفراق إلى الأبد..." لكنها لا تتعب أبدا من القول: "... نحنُ ولا فخر، نحلمُ بالعيشِ في أحضان أوروبا، وبالمقابل نطالبُ اللاّجئين بالعودةِ إلى أوطانهم التي هربوا من ويلاتِ الحرب والفقرِ فيها، ونمتعضُ عندما يخرجُ الغرب في مسيراتٍ تُطالب العرب والمسلمين بالعودة من حيث جاؤوا، نحنُ الذين إذا سمعنا باسم الفيليبين أو الهند أو سيرلانكا يهرُب عقلنا مباشرةً إلى فكرةِ أنّهم خُلقوا ليكونوا خَدَما تجوزُ إهانتُهم والقسوةُ عليهم وممارسةُ دورِ السيّد عليهم... " كما أنها ترى بأن: "... أغلبُ أبناءِ وبناتِ الدُعاة الذين ينادي آباؤُهم "حيّ على الجهادِ" غالباً، هم مَن تراهم يتسابقونَ لمسحِ بلاطِ أسيادهم، والسُّكوت عنِ الحق، وترى أبناءهم يدرسونَ في جامعاتٍ أجنبية، بل إنّ مِنهُم مَن يلاحقُ "الموضة" في اللباس ويُمارِسُ "المُيُوعةَ" في الكَلاَم، وكأنّهم لا ينتمونَ للبيئةِ التي خَرجَ منها آباؤُهم، وكأنَّ هؤلاء الدعاة لم تأتِ دعواهُم أُكُلَها على أهلِ بيتهم، فأخذُوا يجرّبونها على أتباعهم مِمّنْ ظنّوا أنّهم يُصيبونَ دائماً، فاتَّبعوهُم كما يتّبعُ الأعمى خُطُواتِ عَصَاه.." وهي تبدع أيضا بالقول: "... وطني الذي تشرئبُّ أعناقُ مسؤوليهِ نحوَ الأعلى. عندما نلوّحُ لهم بقطعةِ قماشٍ مليئةٍ بالشَّكاوى والتَعب. وطني المليءُ بالحكام. الفقيرُ للحكماء. يقبعُ على كرسيٍّ عاجزٍ. ينظرُ لنا بسذاجةِ مَنْ أعياهُ النَّظر. ثمَّ يسلّمنا لِمَن يلهو بأموالنا وأرواحنا. وطني الذي قد يكونُ بالنسبةِ إلى البعضِ. مجموعةً من الذكريات والأحجار. لا أكثر. وللبعضِ الآخر هو العائلة أو الزوج والحبيب. إلاَّ أنّهُ بالمقابل لا يعني شيئًا لفئةٍ كبيرة اختارتْ الرّحيل عنه. وهذه حقيقةٌ لا نستطيعُ نُكرانها..... " إنها حقا مبدعة، خاصة لما تلفت عقلك نحو مواضيع شيقة عندما تكتب قائلة: "... قرأتُ يومًا عن سيدةٍ توفيّت مباشرةً بعدَ أنْ تركتْ منزلها قسْرًا، لأنّها لم تتحمّلْ غيابها عنه. وعن رجلٍ مسنٍّ دخلَ المصحّة العقليّة بعد أن هدمُوا بيتَه أمامَ عينيه، وعن آخرينَ حمدوا اللهُ بكرةً وأصيلا. لأنَّ الحربَ في سوريا مكنَّتهم من الحصولِ على بيوتٍ جديدةٍ في بلدانٍ كانوا يشاهدونَ صورها في الشّاشات. ولم يتخيّلوا يومًا أن يصبحُوا مِنْ ساكنيها.... " كما أنها ترى بأن: "... الغفران ليسَ بالأمر السّهلِ على الإطلاق. إنّه عمليةُ تشويشٍ على العقل، يدفعُكَ نحوَها قلبُك المليءُ بالثقوب، فتسيرَ إليها عبرَ طريقٍ لا ترغبُ في المشي فيهِ منذُ البداية، تلتقي فيهِ بكلّ الوجوهِ التي آذتك، تمرُّ على مواقفهِم وكأنّكَ أمامَ شريطِ عرضٍ سينمائيّ بطيء، في كلّ مشهدٍ تستعيدُ لحظاتِ حزنكَ الوحيدة، كآبتك، ووحدتك، وذاكّ النَّزيفُ الذي سبّبته كلماتهُم القاسية ومواقفهم المُخزيّة... " وهي تعبّر عن قضايا الأمة بشكل جديد حين تقول: "... لمْ نَعُدْ ندري أينَ نسكُن، بعد أن أصبحنا نقيمُ في كلّ وطنٍ عربي جريح، وفي كلّ بُقعة مكلومةٍ من العالم، من مدينةٍ إلى أخرى، ومِنْ مجزرةٍ إلى كارثة، تَجدُنا هناك، نُودّعُ عزيزاً ونبكي مُحبّاً، ونثأرُ لأخ، يحدُثُ هذا، تحتَ وضحِ الضمير العالمي، وعلى مرمى مِنْ عيْنَيْه....".

عندما أرفع القبعة لخولة، وأستسمح هذه الكاتبة إن ما ناديتها باسمها مجردا، كوني لا أحب التفخيم ولا الأسماء البراقة، فإنني أقف أمام جبل أدبيّ مؤدب للغاية، فليس من السهل أن تقرأ عين العقل بعيون فتاة صهرتها دمشق واحتضنتها الجزائر بهذه الجودة والسمو والرفعة، فمن طينتها قليلات جدا.

في ختام هذه الأسطر لا يسعني سوى أن أعتذر من كاتبتنا خولة عن انبهاري بها، ومنكم لأنني أطلت عليكم بالاقتباسات، لأنّ كلماتها فعلا هي دهاليز داخلها لا يرغب من الخروج منها أبدا. 

 

[email protected]





التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي فيديو !