مواضيع اليوم

حَبَنْظَل بَظاظا 3

محمد مزكتلي

2018-01-21 05:40:41

0

   حَبَنْظَلْ بَظاظاْ الفصلُ الثالث

 

نفس المَنْظر السابق مع تغييرٍ بسيط، لاَ بد من الإشارةِ إليه.

فقد اختفى كُرسي العرش.

والخنزيرُ جَلَسَ على ظَهرِ رجُلٍ جَثَا على يديْهِ ورُكبتيه.

 

الخنزير:

لم ألتقي علي الزئبق سوى مرّاتٍ قليلة.

لانشغالي  بتحقيقِ رغباتِ زوجتَه دَليلة.

هو سِكِّيرٌ متعفنٌ متشرد، يبكي ويَلطِمُ ويَنوح.

يعاقرُ الخمرَةَ لَيلَ نَهار، في حانةٍ حقيرةٍ تُدعى الغُراب المذبوح.

عندما تزوجت أُمّي أبي، أقولُها هَكذا ليكونَ قَصْدي صريح.

فهيَ التي تَزوَّجتْه، والعكسُ هنا غير صحيح.

كان أبي سَيِّد الرجال، وزَعيم الصَعاليك.

دَوَّخَ صاحبَ الشَرِطة، وأقَضَّ مَضجعَ سلطان المَماليك.

كانَ فارساً شُجاعاً مغواراً لاَ يُشَق له غبار.

ذاعَ صِيتَهُ ودارَت شُهرتهُ على كُلِّ الأمصار.

كانَ قويّاً كالثور، منكاحاً كالأسد، جميلاً كالغزال.

ألهبَ قلوبَ العذارى، وأَحرَقَ قلوبَ الرجال.

ومِن جملةِ ما ألهبَ من قُلوب النساء.

كانَ قلْب أُمّي، التي دَعَتهُ ذاتَ ليلةٍ للعشاء.

وإلى فخذين مَشْوِيَّين، ومثلهما أبيَضَيِن، وعطْرٍ وسِحْرٍ وإغواء.

كانت تنشدُ ساعةَ حُبٍّ صادقة تُسعدُ بها.

تهنأ مع من تحب ولو لمرة واحدة في حياتها.

لكنَّ أبي خذلها، وهَجَرَها في نفسِ الليلة، بعدَ أن أكَلَ عشاءها.

الحِرباء:

تدَّعي أُمّي بأنّي كنتُ حَصاد تلكَ الليلَة العصماء.

وأبي ينفي ذلك، ويؤكد بأنها لَيلتَها ما كانت عذراء.

لم أهتمّ كثيراً  بهَذهِ المهاتَرات الصفيقة.

فَلا أحد يعلمُ عن أيِّ شيءٍ مَهْما سعى سوى نصف الحقيقة.

أمّا الحقيقة الكاملة التي لا أعرفُ سِواها، هي أني حَبَنْظَل بَظاظاْ.

الخنزير:

المهم، تركها أبي في تلك الليلة وهيَ تَتَلوَى في نارِ غيظِها.

أقسمت بجمالها على أن تُمَرِّغ أنفَهُ في التُراب، وتستعيدُ كرامتها.

هي أرادت أن تُسيطر عليه، وعلى من معهُ من الصَعاليك.

لِتَضْرِب بهم مَن كانَ يُنافسُها من أعيانِ المَماليك.

لَكنَّ الرياح لم تجري كما اشتهَت أُمّي.

وقلبت مَرْكَبَها أمواج عنفوان أبي.

ومِن يومِها، صارَ هَذا عُرضَةً للمصائبِ والهزائمِ والويل المُنظَّم.

فإنَّ كَيدَهُنَّ عظيم، وَكَيد أُمّي دَليلة أشَد وأعظم.

ولم تخْمَد نارها إلا حينَ رأتهُ شبحاً سكيراً محطم.

الببَّغاء:

لاَ تلومُوا أُمّي ولا تحقدوا عليها، فإنَّ ما فَعَلَتهُ هو عَيْن الصواب.

فهذا الرجل المخبول حادَ عن الواقع، وقصَدَ السراب.

ترَكَ تَرَفَ القصور ودِفئَ الخمور ولَذَّةَ الأطعمة الفاخِرة والشراب.

تَرَكَ نعومةَ الحرير ولَذَّةَ السرير مع فاتِنةٍ في رَيعانِ الشباب.

ترَكَ كُلَّ هذا، وسكَنَ الكهوفَ مع الكِلاب، يشربُ بَولَها ويأكلُ الذُباب.

وفوقَ كل هذا...

جاؤوا صَعاليكَُه وبايعوا أُمّي بين أقفيةِ الجواري وقرقعَة النِخاب.

فَبرَبكم ألا يستحق هذا المعتوْه، أضعافَ ذاك َالعِقاب؟.

الخنزير:

في بعض الأحيان كانت أمي تحن لعدوها اللدود

أو ربما لحبها الوحيد الموءود

فتجود عليه بكيسٍ كبيرٍ من النقود

كنت أسرق نصفه.

فأدور على الحاناتِ، وأسأل عن حيٍّ مَوْؤود.

ولمّا كنت ألقاه، كانَ يَرميني بنظراتٍ تُرعِبني.

فأرمي حملي وأهرُب، مَخَافةَ أن يضرِبني.

لكنه كانَ يلتقطُني من رقبَتي ويرفعُني عالياً في الهواء.

يضحكُ ويصرخُ بصوتٍ كالعِواء.

أُنظُروا إلى هذا الجُرَذُ القبيح، يطيرُ كنسْرٍ في السماء.

إنَّ أُمَّهُ البلهاء تدَّعي بأنهُ ابني.

ودليلُها على ذلك، أنَّهُ يشبهُني.

حقّاً إنهُ يشبهُني...كما يشبه الذُباب الفراش.

يشبهُني...كما يشبه البُلبُل الخفّاش.

ويسرعُ أصحابه وينزِلوني من بين يديه.

فيما هو يمزقُ كيس الدَنانير وينثرها حواليه.

ويرتمي متهالكاً، مُخفياً وجهَهُ بيديه.

رُغمَ كل القرَف والنُفور، الذي كانَ يرسمهُ أبي على وجهه.

إلا أني كنتُ أقرَأُ فيهِ خطّاً يقول لَعَلّي حقّاً كنتُ ابنه.

صحيحٌ أنَّهُ كانَ يُمسكُني بكلِّ قوةٍ لديه.

لَكنِّي كنتُ أشعرُ بِحَنانٍّ يَسري عبرَ يديه.

الحِرباء:

لم أدري بأنَّ أبي يحبُّ أُمّي هذا الحُبُّ الشديد.

إلا عندما أسرعتُ إليه، لأزُفَّ لهُ خَبَرَ موتها السعيد.

حينَ صَفَعَني وبصَقَ على وجهي، ومَنعَهُ حُرّاسي من فعل المزيد.

لقد سعت أُمّي دائماً لوِصاله، وكانت على الدوامِ تريدُ لِقائِه.

لكنه كانَ يرفض بصورةٍ قاطِعة، ويصِفُها بالمحتالةِ المخادعة.

كانت امي تحب ابي ومع ذلك ارادت قتله لأجلي

وكانت تمقت السلطان ومع ذلك اشبعت غرائزه لأجلي

كانت تلمع نهديها ليتمرى بهما السلطان

وتنحل ردفيها ليرضى عنهما السلطان

وتدور خصرها ليدور حوله السلطان

وتعطر شفتيها ليسكر منهما السلطان

جمال وحسن أمي كان يوازي ذكائها اللامحدود

ومهارتها في استثمار ذلك كانت لأبعد الحدود

فكم من سلاطين وأمراء وقواد ووزراء

قعوا لها ساجدين

ووهبوها قصورهم وذهبهم لقاء نظرة راضية من عينيها الجميلتين

وأعتقد جازما أن ما من رجل في هذا العالم

يرفض ودها إلا أبي الرجل الذي شق عصا الطاعة وكسر قلبها.

تركها تبيع السعادة للجميع في النهار

وتستجديها في الليل لتسيل دموعها أنهار

ربما لأجل كل هذا اختارته من بين الجميع ليكون أبي

أهو الحب والوفاء  أم هو الحقد والانتقام

ذاك هو السرُّ الأبَدِي

الببغاء:

رَفَضَ أبي كُلَّ شيء، حتى محاولاتي لانتشالِهِ من تلك الحانة الحقيرة.

عرضْتُ عليه مَنصَب الوالي، وقاضي القُضاة، وقائد الجيش.

وأن يكونَ لهُ ألف جارِيةٍ وسريرة.

إلا أنَّهُ وبعِنادِ البغل، رَفَضَ كُلَّ ذَلك.

وأصرَّ أن يبقى صعلوكاً ينامُ في الدروبِ والمسالك.

لَكنني أنا السلطان المعَظَّمْ، سُلطان كلَّ زمانٍّ وعصر.

جَرْجَرْتُهُ رُغماً عنهُ، وأحضَرْتُهُ مقيَّداً إلى القصر.

لأُبْقيهِ تحتَ جناح سطوتي وهَيْبتي.

وأُبْعُِدهُ عن الأعداء الساعينَ وراءَ كَشْف عورتِي.

الخنزير:

هل عَرفْتُم الآنَ أيها السادة مَن هو أبي.

هل تشاهدوه...أُنظروا أمامكم.

وليَنظر كل واحد منكم بدقةٍ ويتأمل.

أَنزِلوا نظرَكُم نحوَ الأسفل، والأسفل.

آه أخيراً أيها السادة...عثرْتم عليه.

نعم، هذا صحيح، إنهُ الرجل الذي أجلسُ عليه.

برَبكم...أكانَ عبرَ العصور سلطان جَلَسَ على كرسي مثل هذا الكرسي.

طبعاً لاَ، فأنا سلطانٌ غير عادي...أنا حَبَنْظَل بَظاظاْ.

 

وللحديثِ تَتِمَّة

 




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف