مواضيع اليوم

جمع السلاح يعرقل رفع الحظر الأمريكي

مصـعـب المشـرّف

2017-09-01 07:11:29

0

 جمع السلاح يعـرقـل رفع الحظر الأمريكي


مصعب المشرّف

1/9/2017م


 
من حيث المبدأ ؛ فإن جمع السلاح من أيدي القبائل والمليشيات والأفراد مطلوب ...... ومرغوب ومنشود لبسط الأمن وحفظ هيبة الدولة دون شك.

ولكن ينبغي أن يكون كل شيء بميعاده وظرفه المناسب . والأخذ في الإعتبار أننا لا نعيش وحدنا في هذا العالم .. وأن هناك إنطباعات نمطية أصحبت ملتصقة بنا في ذهن العالم لجهة الحروب والنزاعات الداخلية ... وخروقات في جانب حقوق الإنسان ... وأننا بحق أصبحنا متهمون حتى تثبت براءتنا.


لا أظن أن الخرطوم حين أصدرت قرارها بجمع السلاح من أيدي القبائل والمليشيات والأفراد في جميع أنحاء السودان عامة ... لا أظن أنها قد توقعت أن يبادر حاملوا السلاح بتسليمه طواعية وبراءة الأطفال في أعينهم.


ولا أظن (بالطبع) أن الخرطوم قد خطر ببالها أن قطاع الشمال والحركة الثورية ... وبقايا الفصائل المعارضة المسلحة ؛ في المناطق الثلاثة ، ستسلم أسلحتها طوعاً كان ذلك أو كراهية.


 
كما يظل سلاح عصابات النهب ، ومافيا التهريب ، والإتجار بالبشر .... وهلم جرا ؛ بمن فيهم الشفتة في شرق السودان ضمن القائمة.


 

وطالما كان الأمر كذلك .. فإن معنى تسليم البعض لأسلحته في ظل إستحالة جمعه من أطراف أخرى ؛ معناه ببساطة تحويل هذا البعض إلى قطعان حِملان تحت رحمة سكاكين أكثر من جزار .... وموتور عنصري ... وطالب ثــأر .. ومتطلع إلى بسط السيطرة على الغير .... وراغب في الإنفصال... وطامع في نهب المواشي والأموال.


ومعنى ذلك أن الحكومة تتيح الفرصة سانحة لسفك وإسالة المزيد من الدماء في هذه الحالة ..... وستعود أنظار العالم الأول وناخبيه تلتفت للتركيز علينا من جديد . وتوجه أصابع الإتهام إلى الحكومة المركزية في الخرطوم. وتصفها بأنها تتقاعس عن بسط الأمن . أو تحرض على العنف أحيانا بحسب مصلحتها .... وفي كافة الأحوال تحملها المسئولية كاملة. وتطالب بفرض عقوبات جديدة أشد أثراً عليها.......


ولا نستبعد فرضية "المـؤامـرة " هنا . حيث دأب عملاء العديد من التنظيمات العالمية ، والدول الأجنبية في أفريقيا والعالم العربي خاصة ؛ المزروعين كفيروسات وجراثين في مفاصل السلطة والحكم بحكومات الخرطوم المتعاقبة على السعي الدوؤب و "المخلص" لخدمة مصالح هذه الدول أو التنظيمات من إبقاء العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان أبــد الدهـر.


إننا نبدو هنا ، وكأننا أصبحنا على إدمان وعشق وهوى بصيانة وإدارة ساقية جحــا.


 

هناك قبائل تورطت في صراعات سياسية ووقفت ذات يوم ما مع حكومة الخرطوم . وقاتلت بإسمها أو إلى جانبها ..... وهناك قبائل تتناحر فيما بينها لأسباب لا علاقة لها بالسياسة . وإنما تقتصر على المصالح الحياتية اليومية وسبل كسب العيش . ووضع اليد على الموارد وتحقيق الثروة.... وهي مشاكل وإشتباكات ليست وليدة حقبة الإنقاذ ... ولكنها قديمة قـدم تواجد هذه القبائل في أراضيها وأنشطتها ما بين ظعنها وإقامتها.


بمعنى آخر فإن سبل الحل تتفاوت وتتباعض .. فهناك حالات لا يعالجها جمع السلاح من الأيدي أو تركه فيها... وإنما يعالجها التوصل إلى حلول سياسية شاملة .. أو تنفيذ مشروعات تنموية منتجة.


 

جمع السلاح من قبائل بعينها في هذا الوقت بالذات . ودون دراسة إقتصادية ومشروع أمني متكامل لأسباب حمل السلاح وجدواه لدى البعض ؛ سيؤدي إلى مذابح ، وتغيرات ديموغرافية راساً على عقب .. وضياع أبيي ... وتحويل هذه القبائل إلى نازحين في أراضي الوسط والعاصمة المثلثة. فيتحولوا إلى عالة على الإقتصاد المنهك أصلاً بعد أن كانوا منتجين وفاعلون...


وعليه فإن على الخرطوم أن تتعاطى اليوم مع الواقع السافر .. وتستمر في إدارة والحفاظ على ما يمكنني تسميته بـ "توازن الرعب القبلي" في دارفور ؛ حتى المقدرة على إيجاد الحلول الجذرية المشار إليها ؛ وهي بسط الأمن الشامل ؛ والنهوض بالتنمية الريفية.


لقد أثبت "توازن الرعب القبلي" طوال سنوات مضت ، أنه الأقدر والأكثر فعالية على تهدئة الصراع في دارفور .... ويتبقى على حكومة الخرطوم أن لا تتعجل .. بل تترك الجراح حتى تندمـل على مهـل


 ...........

عند إمعان النظر في توقيت تنفيذ قرار جمع السلاح من القبائل والمليشيات في دارفور ...... فإنه يلاحظ الآتي:


يأتي جمع السلاح في هذا التوقيت بالذات غير مناسب . وذلك حين نربط التوقيت الزماني بالموعد الذي حدده دونالد ترامب (أكتوبر 2017م) لإصدار قراره برفع أو إبقاء الحظر الأمريكي.

المسألة تبدو مثيرة للجدل.....


في يوليو الماضي صادف قرب موعد قرار صدور القرار الأمريكي هجمات قوات الحركة الثورية . وهو ما تسبب في إسالة دماء أدت إلى تشويش مشهد دارفور الأمني في أروقة الكونغرس ، وداخل البيت الأبيض . فخرجت مذكرة ألـ 53 سيناتور .. وأضطر ترامب إلى التأجيل لفترة ثلاثة أشهـر.


واليوم وقبيل توقعات بصدور قرار آخر حول الحظر الأمريكي في أكتوبر القادم . يتقرر فجأة تنفيذ قرار جمع السلاح على عجل .. أو كأنّ الناس قد إستيقظوا الآن فقط من سباتٍ عميق.


وهو قرار لو صدعت الخرطوم بتنفيذه على علاته ، لابد أن يؤدي إلى إنسلاخات وتوترات ، ومواجهات مسلحة. وإسالة دماء .. وتخريب وحرق قرى . وخروقات لحقوق الإنسان . وتشريد مواطنين مدنيين . وتحويلهم ما بين نازحين ولاجئين تحت سمع وبصر العالم ساعة بساعة.....


ومرة أخرى ستتلطخ شاشة دارفور بالدماء ، وبكاء اليتامى ونواح الثكالى وأنين المغتصبات .. ودخان الحرائق . وبما يؤدي إلى تشويش المشهد الأمني في هذا الإقليـم من جديد . وربما أكثر عن ذي قبل في ظل توافر وتفشي أجهزة التصوير ، وقدرات التوثيق .. وحرية النشر والتلقي الفوري لدى الأفراد والجماعات


 ...................

من جهة أخرى يمكن تقرير الآتي:


 
مفهوم الإستقرار الأمني في دارفور لدى العالم والأمريكان غير مرتبط (تفصيلاً) بواقع وجود أو عدم وجود سلاح في أيدي قبائل ومواطني دارفور... فلماذا الإستعجال والآن بالذات ؟


ومفهوم السلام والإستقرار وحقوق الإنسان في دارفور لدى الرأي العام العالمي الأول والثاني غير مرتبط بما إذا كانت المعارك وحمامات الدم تجري في أرض هذه القبيلة أو تلك من بين المكون الإثني في الإقليم.


الناخب الأمريكي والأوروبي ؛ ومؤسساته الطلابية والمدنية والحزبية والبرلمانية ... وجمعيات حقوق الإنسان ؛ مصابة في هذا الجانب بعمى الألوان... ولا تأبه أعينهم وأدمغتهم بالتفاصيل.


ومن ثم فلا تتوقع الخرطوم مثلاً أن يزغرد هؤلاء ويفرحون لحمامات دم وسط الأعراب من قبيلة المحاميد ... ويلطمون الخدود ويشقون الجيوب لحمامات دم في حق بعض القبائل الغير عربية الأصل في دارفور.

في عام 2004م حين كان د.مصطفى عثمان إسماعيل وزيراً للخارجية . صرح بأن على متمردي دارفور أن يدركوا أن الغرب المسيحي لن يهتم بهم كما سبق وأبدى إهتمامه بجنوب السودان . وبرر ذلك (حسب إجتهاده الشخصي) أن دارفور إقليم مسلم بنسبة 100%.


 
ولكن فوجيء مصطفى عثمان إسماعيل بأن قناعاته وإجتهاداته تلك لم تكن منطقية ولا موضوعية . وأصبحت مشكلة دارفور كعب أخيل ما يسمى بنظام الإنقاذ. ... بل أصبحت مشكلة دارفور السبب الجوهري في تدخل مجلس الأمن وإتهامات المحكمة الجنائية الدولية . وإستمرار العقوبات والحصار العالمي الغير معلن حتى يومنا هذا . وما إستتبعه من تكاليف وخسائر شملت كل شيء . حتى صادراتنا النادرة أصبحنا غير قادرين على تصديرها إلى أسواق الغرب إلا عبر وسطاء في مصر وتركيا ولبنان وغيرها.. 


 ..................

المثير للجدل اليوم أن قرار جمع السلاح الغير شرعي ؛ يبدو وكأنه قد جاء وجرى تفصيله خصيصا على مقياس وأعناق مليشيات وقبائل بعينها في دارفور وكردفان...

هذه القبائل والمليشيات كانت فيما مضى متحالفة مع الحكومة . وتقاتل مليشيات ومكونات قبلية دارفورية أخرى.

والتخوف المشروع أن هذه المليشيات والقبائل (بعينها) ؛ تخشى أن يؤدى سحب السلاح من أيديها إلى تعرضها لعمليات ثار وتصفية عرقية دموية من جانب الحركات والفصائل المسلحة المعارضة . والتي تقاتل القوات الحكومية بوجه سافر ... وتتلقى دعماً غير محدود من الدول المجاورة بما فيها ليبيا ومصر.


ولا يعقل أن تقتنع هذه القبائل والمليشيات التي كانت تحارب بقوة وشراسة إلى جانب للحكومة ذات يوم . لا يعقل أن تقتنع بأن القوات الحكومية ستتولى حمايتها في حلها وترحالها 24 ساعة .. أو أنها ستهبط من السماء فتذود عنها حين تهاجمها مليشيات وفصائل دارفورية أخرى أطراف الليل أو آناء النهار لتحرق وتذبح وتغتصب وتسبي فيهم كما تشاء ويحلو لها

 
 .....................

على أقل تقدير .. ومن جميع ما تقدم . فإن الأفضل أن تتوقف السلطات الحكومية على كافة مستوياتها عن المضي قدماً في تنفيذ القرار الصادر بجمع السلاح الغير شرعي. إلى حين إتضاح القرار الرئاسي الأمريكي برفع العقوبات عن السودان من عدمه المقرر في أكتوبر القادم.


وبعدها سيكون لكل حادثة حديث.





التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف