مواضيع اليوم

جعفر نميري ... الرئيس الطاووس

مصـعـب المشـرّف

2018-05-27 11:41:42

0

 جعفر نميري .. الرئيس الطاووس

مصعب المشرّف

25 مايو 2018م


أسخف ما نقوله عن أنفسنا أن بعضنا يبكي على الماضي لا لشيء سوى أنهم لم يعيشوه ولم يكتوون بناره . ويظنون أن عصوره كانت مثالية حالمة وردية... ويسري عليه وصف الزمن الجميل.... هذا الوصف الذي صدع به البعض رؤوسنا وتابعهم فيه أطفال على غير هدي حتى أصبح ممجوجاً مسبباً للكآبة والنفور.


إن من أبرز ما بات يستفز النفس هم هؤلاء الصبية والأطفال الذين إمتلأت بهم وسائط التواصل والمعلوماتية. وقد نصبوا أنفسهم مؤرخين لعهود سياسية مضت ؛ وكأنها أو قادتها قد أوصلونا إلى سطح القمر ووضعوا في أفواه شعبهم ملاعق من ذهب.

ودائماً ما نلاحظ أن هؤلاء (المؤرخون الصبية) يستعينون بصور فوتوغرافية قديمة جرى إلتقاطها في لحظات مجاملة استقبال أو وداع،  إنبهروا بها وشدّت فضولهم وإنتباههم الطفولي . فطفقوا يجعلون منها مراجع تاريخية لإنجازات وهمية ، دون أن يدركوا أن مثل هذه اللقطات إنما تندرج تحت بند المجاملات والأعراف الدبلوماسية الدولية . والنفاق البروتوكولي السياسي لاغير.


تمر هذه الأيام ذكرى إنقلاب جعفر نميري بتاريخ 25 مايو 1969م وهو الذي عرف لاحقاً بعهد مايو .. أو حتى "ثورة مايو" لايهم ... فأسم ثورة لدى شعوب العالم الثالث عشر أسهل ما يمكن إطلاقه على كل إنقلاب عسكري غاشم .. ولم لا ؟ فالأسماء والحمد لله كانت ولا تزال مجانية ولا يتم المحاسبة عليها أمام أمين الصندوق عند الخروج.

كانت شخصية (العقيد) جعفر نميري صبيحة إنقلاب 25 مايو قبل أن يرفع رتبته بقرار (ثوري) أصدره بنفسه إلى لواء .... كانت شخصية نميري هي الأشهر بالمجمل من ثورته.

إقتلع نميري (وكان عمره وقتها 40 سنة) السلطة من نظام ديموقراطي ليبرالي تتسم شخصياته بالوقار والهدوء والنمطية . والنأي بالنفس عن التهريج ولفت الأنظار بإفتعال الحركات ، والنقر والتطبيل على عواطف الجماهير .....


ووفقاً لما يمكن إستنباطه من أبعاد شخصية جعفر نميري وثقافته المحدودة . فإن ما جاء به جعفر هذا لم يكن مقصودا أو مخططاً منه ... ولكنه ببساطة كان وجاء هكذا منه لأنه جزء أصيل وملتصق ونابع من شخصيته ؛ عرف عنه تعاطيه للتمباك وتدخينه للتبغ والبنقو وشربه المريسة والعرقي ؛ ما بين ضقاف نهر النيل في أمدرمان ، ودردق والدباغة قي مدني ، وقرية التكيلات منذ أن كان تلميذا في مدرسة حنتوب الثانوية الداخلية... ولم يتوقف عن هذا التعاطي إلاّ نهاية السبعينات من القرن الماضي  بعد أن خيره الأطباء بين الموت والحياة.

جاء جعفر نميري بكل هذا الإرث (الغير محمود لدى الأغلبية) ، وأضاف إليه مظهربات وحركات أخرى تمثلت في "كفكفة" أكمام قميصه العسكري حتى يظهر فتونته وضخامة ساعدية بما يشير إلى قوته ويستعرض عضلاته ..... وفوق هذا وذاك كان يتسلق سطح القطار وصناديق اللواري ... ويقفز إلى المنصات قفزاَ وينزل منها قفزاً .. ويرتدي التي شيرت والشورت ويلعب كرة القدم ... إلخ من مظاهر الفتونة التي إنبهر بها عامة الشعب ، وراح يقارنها بحال كبار السن من زعماء وقادة الأحزاب السياسية الذين كانوا يحكمونه قبل مجيء نميري.

ثم وصاحب كل هذا "الشباب والفتونة والحيوية" إعلام ودعاية ذكية تولى تفصيلها على مقاسه والمرحلة حزمة من مواهب (حليفه في بداية المشوار) الحزب الشيوعي . حيث إستطاعت هذه المواهب الدعائية المنتقاة بعناية توظيف كل هذه المظاهر ؛ وبما جعل معظم فئات الشعب تستبشر بعهد جديد شاب حيوي ، قادر على مجابهة المشكلات وتقديم الحلول الفورية عوضا عن تلكؤ وصبر أيوب شيوخ الطائفية والإدارة الأهلية وجدل عواجيز الديموقراطية والأحزاب.


والذي لا يعرفه أطفال الإنترنت اليوم هو أن كل تلك المنتجات الشعرية والموسيقية التي صدح بها المطرب محمد وردي في تمجيد مايو إنما كانت في بداية مرحلة هذا النظام قبل إنقلابه على الحزب الشيوعي .. وأن إجترار البعض لهذه الأناشيد والمنتجات الدعائية لا يغني عن واقع أنها قد تم إنكارها في وقتها . وأعلن أطرافها نفض أيديهم والبراءة منها ، وعض محمد وردي أصابع الندم ، وتمنى لو كان قد قطع لسانه ولم يتغنى بها...... ومن ثم فقد فقدت هذه الأناشيد قيمتها ومشروعيتها بعد أن تبرأ منها أصحابها ولا يجوز الإعتداد بها.


وعلى أية حال تشير الأضابير والمعلومات أن جعفر نميري لم يكن يصبر على أحد كان يظن أنه ينافسه في نجوميته .... وانقلب حاله تجاه كل من يعارضه بمجرد النقاش والحوار ؛ سواء داخل مجلس قيادة الثورة أو مجلس الوزراء أو الإتحاد الإشتراكي الذي أنشأه على هدي إتحاد جمال عبد الناصر الإشتراكي ليكون ذراعه السياسي . ثم ليتحول لاحقاً إلى ذراعه الفاســـد النتن وكعب أخيل نظامه.


والذي لا يعرفه أطفال الإنترنت أن قيمة الجنيه السوداني عند مجيء نميري للسلطة كان ثلاث دولارات ونصف. ثم أصبح الدولار الأمريكي في نهاية حكمة يناهز ألـ 6 جنيهات...

وعلى هذه القيمة التي ندهور إليها الجنيه السوداني بالإمكان قياس مدى تدهور مستوى المعيشة وغلاء الأسعار مقارنة بالرواتب والمهايا التي ظلت شبه ثابتة.

والذي لا يعرفه هؤلاء أيضاً عن أسعار السلع الضرورية والكمالية أن سعر رطل السكر للمستهلك كان 3 قروش يوم إستيلاء نميري على السلطة. ثم أصبح بعد سنتين 6 قروش... وأن كيلو اللحم الضاني كان 24 قرشا بالصباح و 16 قرشا بالليل ثم أصبح 40 قرشا ... وأن المرة الأولى التي عرف فيها السودان إنقطاع التيار الكهربائي وإنعدام الغاز وإلبنزين إنما كان كل ذلك في عهد نميري... وفي عهد نميري شهد السودان لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظاهرة السوق السوداء ، وإنعدام الكثير من السلع الغذائية الرئيسية كالأرز والسكر ودقيق القمح.


في مجال الحريات وحقوق الإنسان أنشأ جعفر نميري ما يسمى بجهاز الأمن القومي. وإستعان بالرئيس الروماني تشاوسيسكو ثم شاه إيران في تدريب عناصر هذا الجهاز على القمع والتعذيب ... هذا الجهاز الذي كان على رأس مهامه مطاردة وتشريد واعتقال كوادر الأحزاب السياسية والناشطين من الطلاب والعمال خاصة. والتنكيل بهم في غرف التعذيب بإشراف صغار الضباط  وضباط الصف. وكان ذلك سابقة لم يعرفها السودان بهذه المنهجية والعنف إلاّ في عهد الخليفة عبد الله التعايشي (1885 – 1898م).

ومقارنة بغيره من الأجهزة الأمنية اللاحقة . فقد كان مجرد أن يتفوه المواطن بكلمة إحتجاج تجاه نميري ونظامه كافية لتشريده وإعتقاله .. فما بالك إذا كان يكتب اليوم على الملأ في المواقع ووسائط التواصل والشبكة العنكبوتية .. ويتكلم عبر الرسائل الصوتية والفيديو .. لاشك أنه وقياساً لما كانت عليه مفاهيم جهاز الأمن القومي في عهد نميري من شراسة وقمع لكان قد بتر الأصابع بالساطور ؛ وقطع الألسنة بأمواس الحلاقة.

ومن أبرز مظاهر فساد جهاز الأمن القومي على عهد نميري أنه أشرف برئاسة اللواء عمر محمد الطيب على إرتكاب خيانة عظمى تمثلت في تهريب وإستقبال ونقل الفلاشا الأثيوبيين اليهود إلى إسرائيل ؛ مما شكل وصمة عار على جبين السودان في صفحات التاريخ العربي والإسلامي .. واليوم أصبح هؤلاء الفلاشا أقوى الأذرعة العسكرة والأمنية للدولة اليهودية وأشرسها في مواجهة الشعب الفلسطيني الأعزل.   


وعقب فشل إنقلاب  الرائد هاشم العطا عضو مجلس قيادة ثورة مايو السابق والعضو العامل في الحزب الشيوعي ... لم يغمض لجعفر نميري جفن إلا بعد أن بسط سيطرته على إتحادات عمال السودان ومشروع الجزيرة والطلاب .. وأجرى حركة تطهير واسعة شملت كل من عرف عنه نشاطه السياسي المعارض عامة والشيوعي خاصة .. وأعلنها جعفر نميري صراحة جهاراً نهاراً أن لا تنظيم سياسي شرعي في البلاد سوى الإتحاد الإشتراكي.

وحتى يتخلص جعفر نميري من سطوة نقابات العمال والموظفين والمزارعين وإتحادات الطلاب ، فقد ربطها جميعاً بتنظيم الإتحاد الإشتراكي .. وبحيث لم يعد أحد يستطيع ترشيح نفسه في إنتخابات لجان ورئاسة هذه النقابات والإتحادات إلا إذا كان عضواً في الإتحاد الإشتراكي إبتداء.


مأساة هيئة السكك الحديدية ومشروع الجزيرة بدأت منذ عهد نميري. وتفاقمت طوال عهده منذ فشل إنقلاب هاشم العطا يوم 22 يوليو 1971م. وتفاقم الحال حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم على يد سياسات التمكين والصالح العام والفساد المكشوف في عهد الإنقاذ.


من أطرف ما تعرض له مشروع الجزيرة من تخريب جرى بعد تعيين جعفر نميري لعضو مجلس قيادة الثورة الرائد أبو القاسم إبراهيم وزيراً للزراعة .... صاحب تعيين أبوالقاسم وزيراً للزراعة نشوب أزمة قمح عالمية عانى منها السودان بسبب ندرة العملات الحرة من جهة ، وتسرّب الدعم الذي كان يسرقه النافذون في المجالس المحلية والتعاونيات بالعاصمة والأقاليم والأرياف .. فخطر في ذهن أبو القاسم إبراهيم أن يستبدل زراعة القطن بالقمح  دون إجراء دراسات كافية .. فكان أن أفسدت الآفات القمح في حقله ، إضافة إلى تقلبات الطقس وزيادة معدلات هطول الأمطار في منطقة الجزيرة على عكس ما هو عليه الحال في الشمالية....

ومن طرائف أبو القاسم إبراهيم المتعددة أنه كان صاحب المقولة الشهيرة في ذلك الزمان حين هدد بإغلاق الجامعات في السودان وقال: (الجامعات دايرين بيها شنو؟ ما هدا نحنا خريجين ثانوي وحاكمين البلد) ....

وكانت له مما حكات وحوارات طريفة أخرى مع طلاب جامعة الخرطوم . ذلك أنه وخلال أحداث إنتفاضة شعبان الطلابية. إقتحم أبو القاسم إبراهيم بوابة جامعة الخرطوم الرئيسية على ظهر دبابة وخلفه الجنود . وقال مخاطباً الطلاب الذين تجمهروا أمامه:

  • لو عايز أدخل الجامعة مافي زول في البلد دي بيمنعني .

فقالت له إحدى الطالبات:

  • الجامعة دي بيدخلوها بالشهادات مـا بالدبابات.

وهكذا مضى الحال طوال عهد ما يسمى بمايو، محض مشاهد من مسرحية سياسية هزلية أضاعت من السودان 16 عام ذهبت سُـدَىَ.


التمرد العسكري الذي بدأ في ما كان يسمى سابقا بجنوب السودان ، بدأ بسيطاً عنصريا بحتا على غير قواعد منهجية سياسية في حامية توريت عام 1955م .. وظل يراوح مساحات جغرافية محدودة بمسميات من أنيانيا 1 وأنيانيا 2 طوال سنوات حتى جاء جعفر نميري. فعقد ما يسمى بإتفاقية الحكم الذاتي الإقليمي. وهي الإتفاقية التي رغم أنها أوقفت التمرد فترة وتدفقدت بعلى إثرها  كثير من المعونات والإستثمارات ؛ إلاً أنها ومن ناحية الهواجس الأمنية منحت الإنفصاليين الجنوبيين فرصة التغلغل بهدوء والتحكم لاحقاً في مفاصل وأذرع القوات المسلحة والشرطة والأمن والإدارة المدنية بجنوب السودان وظلت قابعة خلايا نائمة .. ثم سرعان ما تغير مزاج نميري فألغى أهم بنود إتفاقية الحكم الذاتي. وأعلن تقسيم جنوب السودان إدارياً إلى أجزاء بحسب القبليات ... وبسبب ذلك كان الطريق سالكاً أمام العقيد جـون قرنق إعلان وقيادة تمرده على حكم جعفر نميري عام 1983م مستغلاً إصدار نميري لما يعرف بقوانين سبتمبر الإسلامية المبتسرة ودون دراسة بإيعاز من حسن الترابي الذي عرف كيف يستثمر تقلبات نميري المزاجية وتسرعه وسطحيته ... وهو الذي كان بالفعل مزاجياً وهوائيا ومرتخي الأذن خفيف العقل أو كما وصفه الرائد هاشم العطا في بانه العسكري (رقم 1) بتاريخ 19 يوليو 1971م بأنه تارة في أقصى اليمين وتارة في أقصى اليسار.


من كثرة جهله كان جعفر نميري يرى في التجربة المصرية البديل الأمثل للتجربة البريطانية التي كرستها الإدارة الإستعمارية للسودان ، وأثبتت نجاحها وصمودها في كافة المجالات . وطالما كانت التجربة البريطانية صالحة فإن من حق الإنسان أن يتساءل عن السبب في هدمها وإستبدالها بتحربة دولة أخرى هي الأخرى متخلفة إقتصاديا وإدارياً .. إلخ .. وأقصى ما تمتلكه وتفخر به آثار وموميات ومدافن فرعونية ... وكانت قد خرجت لتوها تجرجر أذيال هزيمة عسكرية وسياسية (1967م) مدوية أمام إسرائيل ... ولكن يبدو أن نميري كان مثله مثل بعض سودانيين يؤمنون بسوبرية الإدارة والعقلية المصرية ...

ومن بين تلك الكوارث التي حاكى فيها نميري جمال عبد الناصر نرصد أيضا كارثة التأميم والمصادرة التي طبقها نميري على المصانع والشركات الفردية والعائلية ووضعها تحت مسمى القطاع العام... وهي الكارثة التي دمرت أعمدة الإقتصاد السوداني , وحعلته يجثو على ركبتيه حتى يومنا هذا.


جمع جعفر نميري حوله مجموعة من أساتذة الجامعات كان أبرزهم وأكثرهم تأثيراً على نظام الحكم والإدارة ومستقبل البلاد الدكتور جعفر محمد علي بخيت  .... وكذلك الدكتور محي الدين صابر وزير التربية والتعليم.

المرحوم جعفر بخيت كان مهندس الإدارة المحلية بديلاً عن الإدارة الأهلية. فكان ذلك وبالاً على السودان لجهة أنه جرى تطبيقه بسرعه وعشوائية على حساب إدارة متجذرة خبيرة ؛ كانت معينا ومساعداً وإمتداداً للحكم في عواصم المحافظات وبالتالي للحكم المركزي في الخرطوم.

جرى تكريس وتنفيذ نظام الإدارة المحلية على هيئة مجالس محلية وريفية .. إلخ من مسميات. وتم تعيين العديد ممن أطلق عليهم مسمى "ضباط المجالس" فعاث هؤلاء في الأرض فساداً وانتشرت على أيديهم ظاهرة الرشوة وسرقة المال العام بشكل غير مسبوق لم تكن تعهده البلاد.

الشخصية الثانية التي كان لها الدور الأخطر في ما وصل إليه حال التعليم العام ومخرجاته هو الدكتور محي الدين صابر وزير التربية والتعليم في بدايات عهد نميري . وهو الوزير الذي يبدو واضحاً أنه كان معجباً بالتجربة المصرية في مجال التعليم العام. وتلبية لطموحات الطاووس جعفر نميري ابتدع ما يسمى بثورة التعليم بداية السبعينات من القرن الماضي . وكان كل ما أثمر عنها أنه نقل التجربة المصرية بالقلم والمسطرة إلى السودان . فجعل المراحل 6 + 3 + 3 سنوات بدلا عن 4 + 4 + 4 ... كان الهدف المعلن هو توسيع رقعة التعليم وتحسين مستوى الفاقد التربوي بعد قضاء 6 سنوات في التعليم الإبتدائي عوضاً عن أربعة .... ولكن الكارثة تمثلت في نفور خريجي المرحلة الإبتدائية من الأعمال الحرفية ، ونزوحهم إلى عواصم الخرطوم وعواصم الأقاليم . والإشتغال بأعمال هامشية عوضاً عن الزراعة والرعي في مواطنهم الأصلية . كما أدى السلم التعليمي الجديد إلى تدني مستوى المناهج . والقضاء على تميز التلميذ السوداني في مجال اللغة الإنجليزية بوصقها اللغة العالمية الأولى بلا منازع . والتي كانت تضمن وتؤمِّـن سرعة تواصل وتفاعل المثقف والمجتمع السوداني عامة بالعالم الخارجي .. وبعد أن كنا الرواد في مجال الترجمة على نطاق العالم ، وعلى صلة مباشرة بهذا العالم الخارجي؛ أصبح التلميذ والخريج السوداني اليوم ينتظر ترجمة الخبر والمعلومة إلى اللغة العربية . فأصبح تابعاً بعد أن كان قائداً ورائداً متبوعاً في مجاله العربي والأفريقي . وفقد الإهتمام بمتابعة الأحداث العالمية . واتضح ذلك بجلاء لاحقاً اليوم في مدى جهل كوادر الخارجية السودانية بالقوانين الدولية ومآلات الحصار الإقتصادي والعقوبات الأمريكية ومحكمة الجنايات الدولية ـويقف عاجزاً عن توصيف قانوني دولي لحالات إحتلال أجزاء من أراضيه .. لا بل وأصبح التلميذ والخريج السوداني لا يحسن اللغتين العربية والإنجليزية معاً .. وهي ظاهرة تبرز إلى العيان في وسائل التواصل وعلى ألسنة الإعلاميين في الفضائيات السودانية خاصة ؛ حتى أصبحت مثاراً للسخرية ومصدراً للنكتة.


حتى الرياضة عموما وكرة القدم خاصة لم تسلم من حماقات وطاؤوسية جعفر نميري وردود أفعاله العشوائية وقراراته التخريبية .... وبسبب إنتصار فريق الهلال العاصمي على غريمه المريخ في مبارة كؤوس حضرها جعفر نميري الذي كان ميالأً لتشجيع فريق المريخ .. وبسبب هتاف جماهير الهلال المُدوِّية بعد المباراة وترديدهم "رئيسكم مين قاقارين .. أبوكم مين قاقارين" يقصدون جعفر ثاثارين هداف فريق الهلال وقتها . فقد إستشاط نميري غضبا وطار صوابه ، وهو الذي كان يعتبر نفسه هو وحده صاحب شعار "رئيسكم مين نميري" و "أبوكم مين نميري" .. وكان رد فعل نميري الغاضب أكبر مما كان يتخيل الناس. فقد أعلن في نشرة التاسعة والنصف من مساء نفس اليوم حل الأندية الرياضية وإبتداع ما يسمى بالرياضة الجماهيرية .. وترك التفاصيل للمستقبل إلى حين الفراغ من إعدادها.. .. وكان من أبرز النتائج السلبية لهذا القرار إنهيار الرياضة بالمجمل في البلاد .. ولا يزال أثرها ماثل إلى يومنا هذا خاصة في مساق المنافسات الدولية التي تخوضها منتخبات قومية.


خلاصة القول أن جعفر نميري . ومهما حاول البعض تلميع تاريخه وتاريخ نظامه السياسي العقيم (لمصلحتهم) وعلى وهم أنهم قد يعودون للسلطة مجدداً .. فإن هذا النظام لم يكن إلاً وبالاً على البلاد والعباد .. ولانزال نعني من ويلاته وتخريبه للإقتصاد والتعليم والأخلاق إلى يومنا هذا.... وربما لا يجوز وصفه سوى بأنه مأساة ووباء تحول إلى كوميديا سوداء.




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات