مواضيع اليوم

بناء قصيدة الغزل العذري

محمد عدناني

2012-12-21 15:26:15

0

 بناء قصيدة الغزل العذري

    المصدر: مجلة جذور. الجزء 30. المجلد 12.  يناير 2010. النادي الأدبي الثقافي. جدة. المملكة العربية السعودية.

        1- البناء على اختلاف الأغراض

لم يكن الغرض مفهوما مميزا لطبيعة الأشعار التي ينظمها الشاعر فحسب، وإنما استغل كمؤشر حقيقي للتمييز في أجزاء القصيدة ومعرفة طريقة وعناصر بنائها، سواء كان هذا الغرض محوريا عليه تلتف باقي الأغراض أو مؤسسا لغيره، فما موقع ودور الغزل  في بناء القصيدة ؟ وما تجليات بناء القصيدة العذرية ؟

من المعلوم أن الشعراء درجوا على افتتاح قصائدهم بمعاني الغزل، فربطوا الحديث عن المحبوبات بالحديث عن الأطلال لعلاقة المجاورة والاقتضاء أيضا بين هذين المكونين، قبل أن يخوضوا في الغرض الرئيسي الذي كان باعثا على النظم، وقد ظل هذا التقليد والربط مهيمنا عند أغلب الشعراء في العصر الجاهلي والأموي، وعند بعضهم في العصر العباسي الذي خلخل جل شعرائه هذا النظام الموروث.

وفي قراءة ابن قتيبة لأشعار العرب خلص إلى وضع البناء العام المؤطر للقصيدة العربية ممثلة في غرض مهيمن هو المدح، قال:"سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين...، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الشوق وألم الوجد والفراق وفرط الصبابة ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه، لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب(...) فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له، عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير"1.

وسيظل النموذج القتيبي المنحوت من جسد وروح القصيدة العربية القديمة شاهدا على التزام الشعراء بهذا البناء الذي يمكن تعميمه على كل القصائد ذات الأغراض"المهمة" كالهجاء والافتخار والاعتذار، بل والرثاء أيضا. وهذا يعني أن المقدمة الغزلية التي يستهل بها لأداء وظائف بلاغية إمتاعية، مقدمة ثابتة مهما تغيرت الأغراض، مع تحويل بسيط في عناصر ومكونات المقدمة المقترحة للرثاء، حيث الحديث عن المرأة وحبها والحنين إليها وذكر المغامرات لا يتلاءم وحدث الموت الذي يفرض التمهيد له بلحظة تأمل توحي بالفراق والانتهاء والحزن العميق على البعد الذي لا لقاء بعده. وكل هذه التأملات ماثلة في الطلل الموحي بالموت والافتقاد، لا في المرأة الموحية بالحياة واللذة.

وقد ظل صدى هذا التصور الذي صاغه ابن قتيبة في نصه يتردد في أبحاث الباحثين العرب والغربيين الذين تناولوا الشعر العربي بالدراسة والتحليل، ففي كتابهما"مقدمة في تحليل الشعر" أكد الباحثان جون مولينو وجويل طامين على هذا البناء، إذ لاحظا أن القصيدة العربية الطويلة" تتكون، بشكل رئيسي، من استهلال يستحضر فيه الشاعر ذكرى حب قديم، يليه وصف لأهم المحطات البارزة في حياته البدوية وللرحلة، وأخيرا مدح وإبراز مفاخر الممدوح الذي تستحضره الأبيات"2.

ولعل هذا التدرج من الاستهلال إلى وصف الحياة البدوية، بما فيها الرحلة والراحلة، وصولا إلى الغرض الرئيسي، هو ما جعل الباحثين يخلصان إلى نتيجة مفادها أن القصيدة العربية قصيدة تنوع وتخزين لمعظم البواعث الأكثر أهمية، ويجب أن يوضع البيت الشعري بكيفية تنتج المعنى كاملا ومستوفيا3.

إن بناء القصيدة العربية القائم على التدرج والتنوع، لا يعني أنها تعاني تفككا في أوصالها، وإنما هو تنوع ناتج عن غنى المواضيع وتداخل المعاني في سياق واحد يوجهه الغرض الرئيسي. وهو تنوع محكوم بشرط الملاءمة والمناسبة بين أجزاء القصيدة ومواضيعها حتى تحظى بالقبول والاستحسان عند النقاد. قال الحاتمي:"من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجا بما بعده من مدح أو ذم، متصلا به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه وتعفي معالم جماله"4.

ومهما يكن من التبريرات والتعليلات التي تعطى لتعدد المواضيع/ الأغراض في القصيدة العربية القديمة الواحدة، فإن الغزل بمكونيه (المرأة والطلل) ظل عنصرا مؤثرا في بناء القصيدة، مجلوبا إلى باقي الأغراض دون أن يتجاوز حدود المقدمة إلى باقي الأجزاء الأخرى.

غير أن رأيا آخر لفريق من الباحثين ينكر هذا التحجيم لغرض الغزل داخل القصيدة، ويمدد من مساحة وجوده داخلها، فهو في رأيهم لم يبق سجين الاستهلال، بل تحولت وظيفته من شد الأسماع وإمتاع السامعين وتهييئهم للموضوع"الجليل"، إلى الربط بين أجزاء القصيدة، ففي تتبعه لتطور صورة المرأة في الشعر الجاهلي، وارتباط ذلك بتطور الغزل وعلاقته بالأغراض الأخرى داخل القصيدة أكد بهي الدين زيان حصول تطور آخر"في صلة هذا الفن-الغزل- بالفنون الأخرى التي يعرض لها الشاعر في قصيدته، وصلته ببناء القصيدة الجاهلية نفسها، وهذا هو ما يؤكد  في ناحية ما لاحظه القدماء من قبل من أن هذا الفن كان وسيلة لأغراض أخرى... إنه في هذا العصر الذي بلغت فيه القصيدة الجاهلية اكتمالها صار الغزل موضوعا استغله الشعراء من أجل بناء القصيدة فنيا، ومن أجل ربط أجزائها بالإضافة إلى أن يكون مقدمة وافتتاحا لها"5.

إلا أن هذا الحديث عن المرأة في مقدمة غزلية استهلالية، أو في مفاصل يتوسل بها الشاعر لربط أجزاء القصيدة، سيصبح حديثا مستقلا في مرحلة لاحقة ليعود موضوعا للبحث في خصائصه الفنية المميزة له عن باقي الأحاديث الأخرى المرتبطة بالأغراض المخالفة له، فعندما صار الحديث عن المرأة محوريا تحيط به الأغراض الأخرى المرتبطة بالأغراض المخالفة له، بات من الضروري أن تلائم كل الموضوعات هذا الغزل الذي تنهض عليه القصيدة، قال بهي الدين زيان:" إننا نلاحظ أن الحديث عن المرأة قد صار محورا تدور حوله أجزاء القصيدة...إذ صار الشاعر يعمد إلى الملاءمة بين حديثه عن المرأة في أول القصيدة وبين حديثه عن هذه الموضوعات"6.

وتأكيدا لمحورية الغزل في القصائد الشعرية والتفاف باقي الأغراض حوله يؤكد بعض الباحثين أن الحديث عن المرأة والحب"هو المحور الأصلي الذي تدور في فلكه أغراض القصيدة الأخرى،  أو قل إذا أردت وصفا دقيقا لدور الغزل في بناء القصيدة القديمة في جانبها الفني والموضوعي أنه البذرة التي تنتج بقية الثمرات التي تطرحها قصيدة الشعر الجاهلي"7.

إنها، إذن، مرحلة متقدمة تؤسس لاستقلال كامل لقصيدة الغزل عن باقي الأغراض، قصيدة ذات خصائص مخالفة لغزل المقدمة من جهة، ولشعر المدح والهجاء والرثاء والاعتذار والفخر من جهة أخرى، يقول يوسف حسين بكار:" إذا ما جاوزنا المقدمات نجد قصائد مستقلة نهضت بالغزل وأفردت له، يلاحظ على أكثرها أنها كانت متوسطة في عدد أبياتها، ليست بطويلة ولا قصيرة، وسبب هذا كونها في موضوع واحد، والقصيدة ذات الموضوع الواحد إن طالت مرة فإنها لا تطول كل مرة"8.

إذا كانت قصيدة الغزل قد اتجهت –وفق هذه النصوص- نحو إدراك استقلالها عن باقي الأغراض الأخرى باعتماد مفهوم"الغرض"كمقياس للتمييز، فإن طرحا آخر يرفض هذا التقسيم، ويقرأ الشعر العربي القديم باعتبار الغرض رمزا لا هوية له خارج جملة من التعالقات المتداخلة التي تساهم في بناء القصيدة.

 2- البناء وتأويل الأغراض:

رأينا أن النقاد العرب القدامى قد ميزوا في مفهوم الأغراض الشعرية فصادفوا التوفيق بدرجات متفاوتة، قبل أن يستقيم هذا المفهوم في أذهان الناس، ويطمئن له الكثير من النقاد المعاصرين. غير أنه شكل عند البعض الآخر مصدر تشويش وإزعاج وتغليط، فاستحق عندهم أن يُنْعَت بالبئيس والضرير. قال وهب أحمد رومية" "مفهوم أغراض الشعر" مفهوم بائس وضرير، بل لعله أبعد مفهومات نقدنا القديم عن الصواب وأشدها إيغالا في المغالطة، وأقواها تعبيرا عن النظرة الجزئية الضيقة وقصر النظر"9.

ومبرر هذا الهجوم يكمن في حماية القصيدة العربية القديمة من التشظي الذي لحقها من القسمة المريحة التي درج النقاد على تبنيها والتي تجعل من القصيدة ملتقى لجملة من الأغراض الشعرية المختلفة، فتحدثوا داخل القصيدة الواحدة عن الغزل والوصف والمدح والحماسة والحكمة وغيرها... وهو ما أنكره هؤلاء النقاد غير المتحمسين لفكرة الغرض الشعري، ورأوا أنه تعسف في حق القصيدة وتضييع لهويتها المتماسكة.

ولعل عملا بهذا الطموح، ليس غريبا على قراء النص الشعري القديم، فالحديث عن الأغراض، أو بعضها على الأقل، باعتبارها رموزا، هو صيغة معدلة لحديث قديم عن حدود التداخل والتخارج بين الصدق والكذب, الخيالي والواقعي في الشعر.

وقد أسعفت بعض الإشارات في النقد العربي القديم، في ركوب الدارسين هذا الطريق، خاصة ما اشتمل عليه النموذج القتيبي من تفاصيل في بناء قصيدة المديح، والذي يمكن اعتباره منطلقا لكل اجتهاد في هذا الباب، فإذا كانت معاني المديح تتحول بتحول أسماء الممدوحين وأقدارهم وأنسابهم...، فإن معاني الغزل الذي جُعِل مدخلا ملائما للقصائد، ووصف الرحلة والراحلة الذي قُدِّر له أن يكون وسيطا وشفيعا أيضا، ظلا على قدر كبير من الجمود لأنهما ارتبطا بالشاعر ذي المطالب الثابتة في مثل هذه المناسبات.

يضاف إلى النموذج القتيبي، الإشارات الدالة التي بعث بها الجاحظ بخصوص تأويل الأغراض الشعرية إلى رموز، خاصة ما يتعلق منها بالقصص الحيواني. قال: "ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش. وإذا كان الشعر مديحا، وقال كأن ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها. ولكن الثيران ربما جرحت الكلاب، وربما قتلتها. وأما في أكثر من ذلك، فإنها تكون هي المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم"10.

لا شك أن هذا النص كان تأسيسا لجملة من البحوث النقدية الحديثة التي توجهت في تحليلها للنص الشعري توجها تأويليا تجاوز حدود الغرض إلى الرمز.

وهذا يعني أن قراءة المحدثين للنص الشعري العربي القديم من هذا المنظور، لم تكن طفرة في فراغ، بل كانت لها أصول مؤسسة في النقد العربي القديم، نمتها تيارات الحداثة التي رفعت من درجة اطمئنان الناس للموروث إلى مستوى القلق، فبدأت الأسئلة تتداول على ألسنة الناس مُحْرِقة لما قبلها من الأجوبة. وكان الشعر، طبعا، موضوعا من موضوعات البحث الكبرى التي خضعت لتجريب منهجي قاد إلى نتائج لم يتعودها الباحث القديم ومن اطمأن لما أقَرَّه.

وانسجاما مع طبيعة موضوعنا، سَنُضْرِبُ صفحاً عما دار من نقاش حول قصص الحيوان في الشعر العربي القديم، والتأويلات الكثيرة التي أوَّلَها الدارسون، وسنتناول شقا آخر من هذه القصص، وهي قصص الغرام في القصائد التي كان الحديث فيها أثيرا أيضا عند الكثير من الدارسين.

وقد اتخذ هؤلاء من ربط الشاعر بواقعه مدخلا لتبرير التأويلات اعتبارا للارتباط القوي بين الشاعر والعالم الخارجي. كما جعلوا من دفاعهم عن وحدة القصيدة التي عانت، في نظرهم، من التشظي والتجزيئ أثناء معالجة القدماء ومن ذهب مذهبهم لقضاياها النقدية، مسوغا لتأويل المعاني،وتعويض الحديث عن الأغراض بالحديث عن الرموز.

ومع أن القدماء لم يُسقِطوا هذين الاعتبارين، وهم ينظرون في النص الشعري، إلا أن المحدثين سيسلكون طريقا مخالفا تماما بما امتلكوه من جرأة في مناقشة القضايا، مسنودين بمناهج مسعفة لتبرير جرأتهم في محاورة النص وتقليبه على كل الوجوه الممكنة.

من هذا المنطلق قرأ الأستاذ بهي الدين زيان معلقة الحارث بن حلزة التي رافع بها أمام ملك الحيرة عمرو بن هند ضد الشاعر التغلبي عمرو بن كلثوم في الصراع المشهور بين بكر وتغلب، مؤكدا أن الحديث عن هند التي ذكرها الحارث "أبعد ما يكون عن حديث الهوى والحب. فقد صارت المرأة عند الحارث بن حلزة رمزا لحادثة سياسية يشير إليها ولا يفصح، وصورة تعبيرية لها مضمون آخر غير مضمونها الظاهر"11. فقد علق على قول الشاعر:

             وَبِعَيْنِكَ  أَوْقَدَتْ   هِنْدُ   النـــــَّا    رَ أَخِيراً  تَلَوَّى   بِـــهَا    الْعَلْيَاءُ

             فــَتَنَـــــوَّرَتْ  نَارُهَا   مِنْ بَعِيدٍ    بِخَزَازَى، هَيْهَاتَ مِنْكَ الصّـــِلاَءُ

             أَوْقَدَتْهَا بَيْنَ الْعَقِيقِ فَشَخْصَيـْـ    ــنِ بِعَوْدٍ كَمَا   يَلُــوحُ   الضِّيَـــاءُ

بقوله: "لم يكن حديث الحارث عن هند والنار وحزازى حديثا غزليا، ولكنها قصة سياسية وواقعة حربية في يوم مشهور انتصر فيه عرب الشمال على بعض القبائل الجنوبية بمساعدة أمراء الحيرة، وكان هذا اليوم يمثل وحدة بين القبائل الشمالية وعلاقة صداقة وتحالف مع المنادرة أمراء الحيرة"12.  ولم يقف النقاد عند هذه التأويلات التي تربط بين المطلع الغزلي الذي تذكر فيه المرأة إلى جانب الأطلال، وبعض الأحداث السياسية والوقائع التاريخية، أو تربط بينه وبين شذرات من حياة الشعراء، وإنما تعدوا كل ذلك إلى تفسيرات تتصل بتأملات فلسفية في قضية الحياة والموت، معتبرين أن الشعراء، بهذه المقدمات، يعبرون عن آرائهم في الحياة ويسجلون انطباعهم عن الموت. وفي هذا يقول الأستاذ ابراهيم عبد الرحمان محمد: "لقد كان القدماء من الشعراء حين يريدون تشخيص إحساسهم بالمقارنة بين الحياة والموت، يتخذون من وصف الأطلال طريقا إلى ذلك فيوقفون مطاياهم ورفاقهم معها على المنازل الدارسة إيحاء بهذه الحركة وتلك الحياة، كما يحرصون على أن يصوروا حركة الرياح وحياة الحيوان ونزول الأمطار، وما تحدثه في هذا الخراب من خصب وتبعثه من حياة"13.

إن الطلل حين يعود خرابا دارسا يرمز بدون شك إلى انتهاء حقبة من الزمن كانت تمتلئ بالحياة والحركة، واسترجاع الشاعر لذكرى المرأة إصرار على رفض هذا الموت وتجاوز لأسبابه، علما أن التمسك بالحب أحد أسباب الحياة، وهكذا يقابل الشعراء بين الأطلال/الموت، والمرأة/الحياة، فيأتي حديثهم موسوما بالحزن والأسى والضياع دلالة على جبروت الموت في مقابل الحياة. ولذلك فسرعان ما يخبو صوت المرأة في هذه المقدمات لينتصر صوت الأطلال زاجرا الراحلة لتغادر حيث الرحلة شاقة للبحث عن مصادر أخرى للحياة. وهو ما يبرر الإشارات النادرة جدا للمرأة مقارنة بالأطلال، وهو ما يبرر أيضا سقوط الشعراء في تكرار المعاني والألفاظ في مقدماتهم.

وقد تنبَّه الأستاذ مصطفى ناصف إلى هذه الفكرة فقال: "لقد قال القدماء أن امرأ القيس بكى واستبكى، ووقف واستوقف. ولاحظوا أن عظمته كشاعر ترتبط بأشياء في هذا البكاء والوقوف، ولكنهم ظنوا أن امرأ القيس يبكي طلل عنيزة أو فاطمة أو غيرهما، فالشاعر يُروَّعُ بفكرة الحياة الذاهبة، إنه يصحو على الشعور المستمر بأن جانبا من العمر قد ولى والشاعر يقف ويستوقف لكي يعالج هذا الشعور، لكي يصور لنفسه أنه حي يملك عقله زمام الماضي ويعيد تخيله وتمثله، كل هذا وهم نشيط، ولكنه لا يستطيع أن يفرغ منه وقد أخذ هذا البكاء شكل الطقوس الجماعية، وأصبح العقل الجاهلي مشغولا بمشكلة الموت الذي يتجسد في الطلل"14.

إن هذه التفسيرات لرمزية المقدمة الغزلية بمكوناتها الجوهرية (المرأة-الطلل- الراحلة) تأخذ مصداقيتها فنيا من التكرار الذي وقع فيه الشعراء، فذكروا المرأة بالأوصاف نفسها، وبكوا الأطلال بالصيغة والحزن نفسه، وصوروا رواحلهم التصوير نفسه، فأعطى هذا التكرار للنقاد مسوغا للنظر في هذه المقدمات باعتبارها رموزا وليست أغراضا، كما أن هذه التفسيرات تأخذ مصداقيتها من معطى إنساني عام يتصل بالتفكير الدائم في الحياة وتأمل الموت، فمادام الشعراء أناس يحسون ويتأملون، فلابد لهم أن يفكروا في كل ما يحيط بهم ويتأملوا عناصره بدقة، فعبروا عن ذلك بأشعارهم مادامت هي الوسيلة المتاحة والفعالة آنذاك، والمؤهلة للقيام بدور المتحدث عن مشاعر وأفكار وطموحات الناس. وقد كانت مقدمات القصائد الفضاء الملائم لبسط هذه الأحاسيس والتأملات حتى يتفرغ الشعراء للموضوعات/الأغراض التي من أجلها يبدعون.

 3- البناء على الغرض الواحد :

استوت قصيدة الغزل بنوعيه في العصر الأموي، وأسست لهوية خاصة ومستقلة لا تنهض على التكامل بين الأغراض المحوجة إلى غرض آخر يلعب دور الناظم والرابط بينها، وإنما على الموضوع الواحد ذي التلوينات المتعددة والمتداخلة، وبهذا التحول في نظام الشعر الغزلي سيتحول البناء العام للقصيدة، وسيصبح الحديث عن بناء القصيدة الغزلية العذرية ممكنا، كما سيتحول فهم النقاد والدارسين لطبيعة البناء عموما، فهم سيتجاوز مفهوم الغرض لينظر في أسس أخرى تتصل بالتركيب والعلاقات البلاغية التي ستعتمد كمؤشرات لمقاربة بناء القصيدة العذرية، وهو بناء يخضع للطول والقصر وتحول طريقة النظم وأساليب التعبير عن المشاعر، وتعدد العلاقات بين الذات الشاعرة والمحبوبة والعناصر المحيطة بهما. قال يوسف حسين بكار:"لم يكن لقصيدة الغزل بناء واحد مطرد، فهي إما جزء من قصيدة في غرض من الأغراض وهي ما يعرف بالمقدمات، وإما قصيدة مستقلة بذاتها تتفاوت طولا وقصرا بتفاوت الشعراء وتجاربهم، وإما مقطوعة في أبيات محدودة، وهو أكبر تطور آلت إليه قصيدة الغزل عند أكثر الشعراء"15.

أمام هذا الوضع الجديد لفن الغزل لم يعد الحديث عن البناء مجرد ملاحظة تدرج الشاعر من غرض إلى آخر داخل القصيدة الواحدة، ومحاولة إيجاد مبررات التلاؤم بين هذه الأغراض أو تأويلها لحماية القصيدة من التفكك الذي تتهم به من قبل بعض الباحثين، وإنما أصبح الحديث عن البناء بحثا في العلاقات الخفية والظاهرة بين مكوناتها، وتلمس درجة الهيمنة لبعضها على بعض، وضبط حدود التداخل والتخارج بين المعاني والمشاعر والذوات، بل مراقبة التحول في أساليب التعبير داخل القصيدة الواحدة ذات الغرض الواحد (الغزل العذري) بكل تلويناته (الشاعر- الحبيبة- الوسائط المساعدة والمعيقة).

وهكذا أصبح التفكير في بناء القصيدة طريقة غير مباشرة للتساؤل حول العلاقات/ التداخل بين البلاغة والثقافة16، وهو في الوقت نفسه محاولة للتعرف على الخاصية الأكثر تميزا في القصيدة17.

إن المقصود من ذلك هو الاسترشاد بالمهيمنات داخل القصيدة وتتبع المكونات الموجهة للخطاب الشعري سواء تلك المرتبطة بالإيقاع أو التصوير أو المعجم أو الدلالة.

والمطلع على دواوين العذريين سيكتشف أن القصائد الشعرية متنوعة تنوعا لا يمكن حصر حدوده، إن على مستوى المواضيع (الحب-الهجر-الشكوى-الأماني-الحزن-العتاب..) أو على مستوى تقنيات الكتابة (الوصف/ التصوير-الحكي-الحوار..)، وهذا التنوع يقود إلى نتيجة واحدة هي أن الحديث عن بناء واحد مطرد لقصيدة الغزل العذري أمر متعذر كما أشار إلى ذلك يوسف حسين بكار في نصه السابق. وهو ما أشار إليه جون مولينو وجويل طامين في قولهما:"فإذا كان للقصيدة بناء، فهذا لا يعني تعميمه على كل القصائد"18، والسبب في ذلك يعود إلى العجز عن حصر الحدود/الأوجه التعبيرية/ التركيبة للقصيدة، وبذلك فبناؤها متقلب.

إن تنوع القصائد الغزلية العذرية يضاف إلى خاصية أخرى تميز الشعر العذري عموما مرتبطة ببنية هذا الشعر من حيث الطول والقصر. وهي ميزة تجعل هذا الشعر أكثر استجابة للطرح الجازم بصعوبة الحديث عن بناء واحد أو أبنية معلومة يمكن تعميمها. فهذا الشعر يتأرجح، في الغالب، بين نظام المقطوعات والأبيات المتناثرة بين دفتي الدواوين ونظام القصائد التي تميل، في مجملها، نحو القصر، والجامع بين هذين النظامين هو وحدة الغرض الحمال لأوجه متعددة تتلون بتلون الذات العاشقة في علاقتها بذات المحبوبة في علاقتهما بالمحيط الذي يرعى هذه العلاقة الثنائية.

إلا أن هذا التقلب في الغزل العذري بين نظامين، والتعدد في الأصوات وتقنيات الكتابة، لا يعني ولا يبرر صرف النظر عن أشكال ومقومات بناء هذا الشعر. وهذا يعني ضرورة البحث عن بدائل أخرى تعوض تعدد الأغراض، بدائل تظل ملازمة للكتابة الشعرية في غرض واحد هو الغزل طال أم قصر.

ولأن الأمر متعذر تماما خارج حدود القصيدة كما تعارف عليها المهتمون بالإبداع الشعري، فلا بد من تعيين نماذج شعرية من غزل العذريين تحقق شرط القصيدة أولا19، لأنه لا حديث عن البناء إلا بوجود القصيدة في حدودها الدنيا على الأقل.

إن إخضاع أشعار العذريين لعملية إحصائية تهدف تصنيفها إلى قصائد أو أبيات ومقطوعات يظهر بالملموس أن نسبة حضور القصيدة ضئيلة بالمقارنة مع المقطوعات أو الأبيات. وفي جدول توضيحي نضع أمام القارئ هذه الإحصائيات التي تهم ثلاثة دواوين لشعراء عذريين هم: جميل بن معمر، مجنون ليلى ومجنون لبنى.

                      الشعراء

الأشعار

جميل

مجنون ليلى

مجنون لبنى

عدد القصائد ونسبها

34

62

9

15.52%

20.19%

19.14%

عدد المقطوعات والأبيات ونسبها

185

245

38

84.48%

79.81 %

80.86 %

المجموع

219

307

47

100%

100%

100%

 تبدو هيمنة المقطوعات والأبيات واضحة في أشعار العذريين، إذ أكثر من ثلاثة أرباع أشعارهم خارج إطار القصيدة، بل إن هذه الإحصائيات لا تبرز صورة توزع الأشعار بدقة، فالعدد القليل من القصائد الموجودة في دواوين هؤلاء الشعراء، أكثر من ثلثيه لا يتعدى خمسة عشر  بيتا أو أقل. كما أن هذه الإحصائيات قابلة للتغير لصالح هيمنة المقطوعات والأبيات دائما، فكثير من الروايات تروي بعض الأشعار التي تشكل قصائد في هذا الإحصاء مجزأة إلى مقطوعات صغيرة خاصة عند المجنون.

وينبغي أن نشير إلى أن الجزء المشكل من الغزليات في ديوان عنترة يغلب عليه طابع القصيدة لا الأبيات والمقطعات، لكنها قصائد تميل إلى القصر، فأغلبها يتراوح بين ثمانية أبيات وعشرين بيتا ذات بناء قريب من القصيدة الجاهلية ذات الأغراض المتعددة.

وسيلاحظ القارئ أننا أسقطنا كثيرا من هذا الإحصاء، نظرا لالتباس غزلياته بالمدح الموجه لبناء القصيدة حتى وإن كان غرضها الأساس هو الغزل، أما ديوان عروة بن حزام فهو مشكل أساسا من قصيدة  بائية عدد أبياتها عشرين، وأخرى طويلة جدا تبلغ مائة وواحد وعشرين بيتا، معضدة بقصيدة مكونة من ثمانية عشر بيتا لها خصائص القصيدة الطوية(وحدة الوزن والقافية والروي والمعاني)، وكأنها تتمة لها. أما الباقي (ثلاثون بيتا) فهو موزع بين اثنتي عشرة مقطوعة وبيت منفرد.

فما هي أشكال بناء القصيدة العذرية في ظل هذا التعدد ؟

3-1- استثمار النموذج القتيبي :

لا يعني استثمار النموذج القتيبي استنساخه وتحويل هياكله من قصيدة المديح ذات الأغراض المختلفة إلى قصيدة الغزل ذات الغرض الواحد، إسقاط مباشر لا يراعي هذا الانتقال الهام، وإنما يعني الإبقاء على حدود مميزة للمعاني داخل غرض الغزل، ونقصد بذلك انفصال الطلل عن الحديث في المرأة بعدما جاورا بعضهما البعض في النموذج السابق.

فبينما هيمن حديث الحب والعتاب والمآسي والشوق على الموضوع الرئيسي للقصيدة، استقل حديث الطلل بالمقدمة، وقد ارتبط هذا  البناء بالقصائد الطويلة نسبيا عند أغلب الشعراء العذريين كما هو الحال في قصائد:"العقيقة، لو أن الخيال يزورني، فلطالما بكت الرجال نساها وريح الشمال" لعنترة بن شداد، أو في قصائد أخرى لجميل والمجنون وقيس لبنى لم توضع لها عناوين. قال عنترة في قصيدة"لو أن الخيال يزورني"20:

             لمن طلل بالرقمتــين شجــاني    وعاثت به أيدي البلى فحكاني

             وقفت به والشوق يكتب أسطرا   بأقـلام دمعي في رسوم جناني

             أسائله عن عبـــــلة فأجابـــني   غـــراب به ما بي من الهيمان

وقد كان الغراب وسيلة للتخلص من المقدمة الطللية قصد الدخول إلى موضوع العشق الذي غلبت عليه مشاعر الشكوى والحنين من خلال توظيف الشاعر للحمامة التي التفت إليها في البيت الثامن من القصيدة قائلا 21: 

             وقد هتفت في جنح ليل حــمامة   مغردة تشكو صروف زمان

             فقلت لها لو كنت مثلي حـزينة    بكــيت بدمع زائد الهمـــلان

وهو البناء نفسه الذي شيد به عنترة معاني قصيدة:"ريح الشمال"، قال في مقدمتها22: 

            لمن طلل بـــــوادي الرمل بالي      مــــــحـت آثاره ريـــح الشــــمال

            وقفت به ودمــــعي من جفوني      يفيـض على مـــــغانيه الخوالــي

            أسائل عن فتاة بني قـــــــــراد       وعـــــن أتـــــرابها ذات الجــمال

            وكيف يجــــيبني رسم محــــيل     بعـيــد لا يرد  عـــن ســؤالـــــي

            إذا صاح الغـــراب به شجانـــي     وأجــرى أدمـــعي مــثل اللآلــــي

فكان هذا البيت هو الواسطة التي توسل بها للخروج إلى الشكوى مرة أخرى والتي استغرقت باقي أجزاء القصيدة، أي إثنا عشر بيتا.

والحديث عن الطلل في أشعار العذريين لا يتأسس على ديار مهجورة دارسة توحي  بالموت والانتهاء، وإنما اتسع مجاله ليشمل المكان بكل مكوناته (وادي –جبل، ناحية من بلاد..)،  بل تجاوز ذلك إلى عناصر أخرى لا علاقة لها بالمكان كالريح والنجم والخيال. وهي تنويعات سنفرد لها محورا خاصا في إطار إبراز تنويعات البناء خاصة على مستوى المقدمة.

ومع ثبات المقدمة الطللية القائمة على المنازل والربوع الشاهدة على حب قديم جديد، أو على وصال لا سبيل إلى تجديده، فإن باقي أجزاء القصيدة ستتوسع،  إذ لم تعد مجرد مقدمة تليها الشكوى أو وصف محاسن المحبوبة، وإنما سيدخل عنصر آخر لم يتكرر في أشعار كل العذريين وهو شعر الفروسية الذي يمتزج وشعر الحب عند عنترة، بل إنه العنصر الأكثر ثباتا في غزلياته مهما تغيرت المقدمات(من الطللية إلى التذكرية التأملية).

وهو بناء آخر ثلاثي الدعائم (مقدمة فموضوع ببعدين: عشق الحبيبة أو تأمل الذات ووصف الحرب والشجاعة). والواقع أن خروج عنترة، في كثير من غزلياته، من عشق المحبوبة إلى البطولة، لا يعد تحولا كبيرا في طبيعة الموضوع، إذ عشق  المرأة وعشق السيف جاءا متلازمين عند الشاعر، أحدهما يدل على الآخر، رغم أن أحدهما يحيل على الهزيمة المتكررة (الإخفاق في الظفر بعبلة)، والآخر يحيل على الانتصار الدائم (رد الأعداء والانتصار للقيم النبيلة).

ومن صور هذا البناء قول عنترة في قصيدة "العقيقة":23

             1- بين العقيق وبين بـــــرقة تهــــــمد     طلل لعبـــــــــلـــة مستهل المعهـــــد

                  يا مســـرح الآرام في وادي الحمــــــى     هل فيك ذو شجـــن يروح ويغتـــــدي

                  في أيمن العلـــــــمين درس مــــعالـــم     أو هي بــــــها جـــلدي وبان تجلـدي

                2- من كل فاتنة تلفت جيــــــدهـــــــــا     مرحا كســــــــــالفة الغزال الأغيــــد

                 يا عبل كم يشجى فؤادي بالــــنــــــوى     ويروعني صــــــوت الغراب الأسود

                                                        ....

                رفعوا القباب على وجوه أشرقــــــت      فيها فغيـــــــب السهى في الـفرقد

                واستوقفوا ماء العيون بأعــــــــــــين     مكـــــحــــولة بالسحر لا بالإثمــد

                                                       ....

              3- وتنوفة مجهولة قــد خضـــــــتها     بسنــــــــان رمح ناره لم تخـــــمد

               باكرتها في فــــــــتية عــــــــبســــية    من كل أروع في الكــــريهة أصيد

               وتـــــرى بها الرايات تخفق والقـــنا    وتــــرى  العجاج كمثل بحر مزبد

...

تتشكل هذه القصيدة من واحد وثلاثين بيتا مقسمة إلى ثلاثة أجزاء واضحة المعالم، وهي صورة لقصائد أخرى تبنى بالطريقة نفسها.

إن بناء القصيدة الغزلية عند عنترة شديد الوضوح، له نسقان: أحدهما ثلاثي الأجزاء: مقدمة، وصف المحبوبة أو مشاعر الشاعر، ثم الخروج إلى شعر الحماسة والبطولة كتتمة لحرب المشاعر والحب، وهو بناء خاص بعنترة لا نجد له نظيرا في أشعار العذريين الذين عاصروه أو جاؤوا بعده.

أما النسق الثاني فهو يتشكل من المقدمة فالموضوع/الغرض، وهو نسق ممتد في أشعار أغلب العذريين.

ومن تجليات هذا الامتداد قصائد لجميل بن معمر أخلص فيها للاستهلال الطللي على غرار عنترة، نثبت بعضها لإبراز جوانب هذا الإخلاص، قال في أماكن متفرقة من الديوان24: 

           1-عفا برد من أم عمرو فلفلـــــــف     فأدمــــان منــها فالصرائم مألف

             وعهدي بها إذ ذاك والشـمل جـامع     ليـــــالي جمــل بالمــودة تسعف

            أمن منزل قفر تعــفت رسومــــــه     شمـــــال تــغاديه ونكـباء حرجف

            فأصبح قفرا بعد ما كــان حقـــــــبة     وجمل المنى تشتو به وتصــــيف

            ففرقنا صرف من الدهر لم يكــــــن      له دون تفريق من الحي مصــرف

                                           ........

          أأن هتفت ورقاء ظلت سفاهـــــــة    تبكي على جمل لورقـاء تـهتــــــــــف ؟

          وقد نزح الدمع البكاء لذكرهـــــــا     من العين أعراب تفيض وتـغــــــــــرف

          وليس بكاء المرء بالعزف والتقى     ولكن عزف المرء عـــــــن ذاك أعـرف

          فلو كان لي بالصرم يا بثين طاقـة    صرمت ولكني عن الصــــــرم أضعـــف

          لها في سواد القــلب م الحب ميعة    هي الموت أو كادت على الموت تشرف

          وما ذكرتك النفس يا بثين مـــرة    مـــن الدهر إلا كادت الـنفس تتلــــــف

                                                 .......

          2- ألـــم تسأل الربع القــــواء فينطق    وهل تخبـرنك اليـــوم بيـــداء سملــق

            بمختلـــــــــــــف الأرواح بين سويقة   وأحــدب كــادت بـــعد عهدك تخألـــق

           أضرت بها النكبـــــــــــاء يوما وليلة   ونـــــــــفخ الصــبا والــوابل المتبعـق

           وقفت بها حتى تجلت عمـــــــــايتي    ومل الـــــوقــوف العنتريس المنـــوق

           وقال خليلي: إن ذا لسفـــــــــــاهة        ألا تزجر الـــــقلـــب اللجوج فتلحــــق

                                            ........

          3- أشاقتك المــعارف والطلـــــول     عفـــــون وخف منــــــهن الحمول

          نعم فذكرت دنيا قد تقضــــــــــــت      وأي نــعــــــيم دنـــيــا لا يــــــزول

         أسائل دار بثينة أين حلــــــــــت      كــأن الـــــدار  تـــــخبر ما أقــــول

         فمن ذا يبلغها رســــــــــــــــولا      كــــذاك  لكل ذي حــــــاج رســـول

       4- على الدار التي لبست بلاهــــا      قـــــفا، يا صاحـــــــبي، فـسائلاها

        وما يبكيـــــك من عرصــــات دار     تـــــــــــقادم عهدها وبدا بــــــلاهـا

        ذكــــــرت بها التي ترمي فتـــوري    إذا أرســـــلت سهـــما شــــــواهـــا

        أتيــــحت لي ونفسي قد تجــــــلت     عمــــــايته غيـــها ورأت هـــــداها

                                            .........

          ذكــرتـــــــك إذ رأينا أم خــشف     بــذي ضال تـــــــــــريع إلى طلاها

إن ما يميز هذه القصائد هو الطول، فأقصرها يبلغ عشرين بيتا وأطولها اثنين وسبعين بيتا، وكلها تشترك في مناجاة الشاعر الطلل مناجاة طويلة قبل الانتقال إلى موضوع الحب بواسطة غالبا ما تكون الحمامة أو الرياح أو الأصحاب، وهي وسائط تلعب الدور نفسه الذي كانت تلعبه الراحلة في بناء قصيدة المديح.

ومثل هذا البناء يتردد في ديوان المجنون وإن لمرات قليلة كما هو الشأن في قوله25: 

              خلـــــيلي مرا على الأبرق الفـــــــرد       وعـهدي بلــــيلى حبذا ذاك من عهد

              ألا يا صبا نجد متى هجت من نجــــد       فقد زادني مسـراك وجدا على وجدي

              أأن هتفت ورقـــاء في رونق الضحى      عـــــلى فنن غــض النبات من الرنـد

              بكــــيت كما يــبكي الوليد ولـــــم أزل      جلــــــيدا وأبديت الذي لم أكن أبــدي

وفي مكان آخر قال 26: 

                خليلي هذا الربع أعلم آيــــه        فبالله عـوجــا ساعــــة ثم سلــــــــما

                ألم تعلما أني بذلت مودتــــي       للـيلى وأن الحــبل منـــها تـــــصرما

                سألتـــكــما بالله لما قضيتـــا       علي فـــــــــقد وليتما الحكم فاحكــما

                بجودي على ليلى بودي وبخلها    عــــلـــــي سلاها: أينا كان أظلمـــا

                أحن إليها كلما ذر شارق  كحـب    النــصارى قدس عيسى بن مريما

وافتتح قيس لبنى ثلاث قصائد من ديوانه باستهلال ذي طبيعة طللية استحضر فيه الديار العافية قارنا ذلك بلبنى النائية، قال27: 

             1- أضوء سنا برق بدا لك لــــــمعه    بـذي الأثل من أجراع بيشة  ترقــــب

                 نعم إنني صب هــــناك موكـــــــــــل    بمــن ليــــــس يدنيني ولا يتـــــقرب

                2-عفا سرف من أهـــــــله فسراوع     فجـــنا أريــــــك فالتلاع  الدوافـــــــع

                 فغيقة فالأخياف، أخياف ظــــــــــبية   بها مـــــن لبنى مــــــخرف ومرابـــع

                 لعل لـــــبينى أن يحم لقاؤهــــــــــــا     ببــــعض البلاد إن مــــــا حم واقـــع

                 بجزع من الــــــوادي خلا عن أنيسه    عــــــفا وتخطته العيون الخـــــــوادع

                3- ألا يا ربع  لبنـــــــــى ما تقـــول؟    أبن لــــي اليوم ما فعل الحلــــــــــول

                  فلو أن الديار تجــــــيب صبـــــــــا      لـــــرد جـــــــوابي الربع المحــــــيل

                 ولــــــــو أني قدرت غــــداة قالـــــت    غدرت وماء مقلتها يســــــــــــــــيل

                 نحرت النـــــفس حين سمعت منها     مقالتها وذاك لها قلـــــــــــــيــــل

إن ما يجمع بين كل هذه المطالع هو استقلال الطلل عن المرأة إلا في النموذج الأخير من شعر قيس لبنى، وبين مكوني الغزل (المطلع الطللي وموضوع الحب/المرأة والشاعر) وسائط ترتبط ارتباط وجوب بهذا الغرض كالحمائم والغربان والنجوم...كما أن كل هذه المطالع تشترك في خاصية إيقاعية موسيقية معروفة في التقليد الشعري العربي القديم، وهي التصريع  الذي عد مؤشرا على المطلع.

غير أن المساحة التي تستغرقها هذه المقدمات تختلف في قصائد هؤلاء الشعراء، فبينما تطول في شعر عنترة وجميل، تقصر في قصائد المجنون وقيس لبنى حتى أنها لا تتعدى في كثير من الأحيان بيتا واحدا أو بيتين، ثم ينصرف الشاعران إلى الموضوع المرتبط بالحب وتلويناته.

إلا أن المقدمة ما هي إلا جزء من أجزاء القصيدة لا تستغرق في كل الحالات ما يستغرقه الغرض الرئيسي، كما أن المقدمات الطللية هي نوع واحد فقط من المقدمات التي توسل بها الشعراء العذريون لتناول مواضيعهم الغزلية، فكيف يبنى الموضوع/الغرض؟ وما نوع المقدمات الأخرى التي استهل بها الشعراء قصائدهم ؟ وهل من الضروري التمسك بالمقدمة ؟

3-2- البناء الحر/ التنويع :

أفرد جون مولينو وجويل طامين مقالا خاصا ببناء القصيدة  ضمن كتابهما "مقدمة في تحليل الشعر"، وقد وضعا خطاطة شاملة تختزل استراتيجيات بناء القصيدة الفرنسية، نقترحها على القارئ بكل عناصرها قبل الاستفادة منها بقدر استجابة القصيدة الغزلية العذرية، بل والتوسيع فيها إذا بدا قصورها على استيعاب تلوينات هذه القصيدة.

                                          استراتيجيات البناء28


     
      1- البناء بالتنويع               2- البناء بالتدرج                       3- العاب البناء

 

       أ- التنويع        ب- التنويع         أ-التدرج        ب-التدرج         أ-التسلسل   ب-النباء    ج-التلفيق    د-تنويعات حرة

       بالتوازي        بالموضوع           بالحجة           بالربط            الاستعاري     الخفي    أو اللصق

                                                                أو الجمع           المجازي

 

                                                                                                     

 

إننا نقصد بالبناء الحر تخلص الشعراء العذريين من المقدمة الطللية من جهة، واقتراح مقدمات أخرى أو إلغاؤها بشكل نهائي من جهة ثانية، بل ممارسة الحرية المطلقة لبناء الغرض نفسه دون الامتثال للتدرج الذي كان معمولا به من قبل. فنحن إذ نستعمل مفهوم"البناء الحر"، نقترب من تشغيل الشق الثالث من الخطاطة خاصة "التنويعات الحرة"، وهي تنويعات سنعمل على قياسها بتغيير أسلوب النظم داخل الغرض.

إن مفهوم "التنويعات الحرة" يستجيب لمنطق التحول في أسلوب النظم، وهو ما دفع الباحثين إلى اعتباره"والبناء الخفي طريقتين للبناء تتناغمان ومنطق التطور الشعري"29.

وهو المنطق الذي حكم القصيدة الغزلية العذرية سواء في العصر الجاهلي أو الأموي بالمقارنة مع الأغراض الأخرى.

أ- التنويع في المقدمات :

سبق أن أشرنا إلى أن العذريين وسعوا من مفهوم "الطلل "ليشمل المكان بكل مكوناته، فحل الوادي والجبل والسهل... محل الديار الآفلة، وقد كانت هذه الخطوة ضرورية للخروج من إسار الطلل/ المنازل, والانفتاح على مكونات أخرى تجاوز بها الشعراء المكان ليعانقوا النجم والبرق والحمائم والطيف، وينزلوها منزلة الاستهلال في سياق واحد عند كافة الشعراء العذريين، وهو التذكر المحيل على الأمل في لقاء الحبيبة، لا التذكر المنكفئ إلى المأساة والموت.

من صور استثمار الشعراء لهذه المكونات في مطالعهم قول عنترة بن شداد العبسي في قصيدة"سلطان الهوى"30.

                زار الخيال خيال عبــــــــلة في الكرى    لمــــتيم نــشوان مـحلول العرى

                فنهضت أشكو ما لقيـــت لبعــدهـــــــا   فتــنفــــست مسكـا يخالط عنبرا

                فضـمـــمتــــها كيما أقبل ثــــغرهــــــا   والدمع مـن جفني قـد بل الثرى

                وكشفت برقعها فأشـــــــرق وجهـــها   حتى أعاد اللـــــيل صبحا مسفرا

لقد حل الخيال محل الطلل، وهو الباعث على هذه الحركة الشعرية المؤطرة بسرد تفاصيل السلوك الذي قام به الشاعر، قبل أن ينصرف بشكل سلس جدا إلى وصف محاسن المحبوبة في باقي الأبيات متوسلا بالبيت الرابع للربط بين المقدمة والموضوع.

والحكاية نفسها تتكرر بالبناء ذاته مع تغيير موضوع الحب(الانتقال من وصف عبلة إلى وصف ذات الشاعر المحب)، بينما يبقى الطيف والتذكر عنصران أساسيان في الاستهلال. قال عنترة في قصيدة"أتاني طيف عبلة"31:

                أتاني طـــــيف عبلة في المــنام       فقبلــــــــــــني ثلاثا في اللـثــــــام

                وودعــــــــــني فأودعني لهــيبا      أستره ويـــشعــل في عظـــــــامي

                ولولا أني أخــلو بنـــــــفــــسي       وأطفئ بالــــــدموع جوى غرامي

                 لمت أسى وكــم أشكــــــو لأني      أغار عليك يا بدر التمــــــــــــــــام

وتسير القصيدة نحو تصوير معاناة الشاعر وتغير أحواله في حب عبلة من العزة إلى الذلة، ومن الأمر إلى الامتثال...

وتحل الريح الهابة من ناحية ليلى محل الطيف لتذكر عنترة بالحبيبة وتشعل نار الحنين إليها، أو لتصل بينه وبينها عن طريق السلام والتحية، إنها واحدة من الرسل الكثيرين الذين كانوا سدة بين العاشقين ومعشوقاتهم، يقول 32: 

                  إذا الريح هبت من ربى العلم السعدي    طفا بردها حر الصـــــبابة والوجــــد

                  وذكرني قوما حفظت عهــــودهــــــم    فما عرفوا قدري ولا حفظوا عـــهدي

                  ولولا فــتاة في الخــــيام مقــــــيـــمة   لما اخترت قرب الدار يوما على البعد

                  مهفهفة الســـحر من لحــــــظاتــــها    إذ كلمـــت ميتا يقوم من اللحــــــــــــد

ثلاثة أبيات إذن كانت كافية لينتقل عنترة إلى وصف المحبوبة وتصوير مظاهر  وشدة افتتانه بهذا الجمال،  وهو الموضوع الذي امتد على مسافة ستة وعشرين بيتا.

وقد أخلص عنترة لهذا البناء في بعض القصائد الأخرى الغزلية كقصيدة"هلا سألت الخيل يا ابنة مالك" التي افتتحها بمقدمة استثمر فيها"الريح"33 كواسطة بنيه وبين المحبوبة، قال 34:

               ريح الحجاز بحق من أنشـــــــاك      ردي الســلام وحيي مــن حــياك

               هبي عسى وجدي يخف وتنطــفي      نيران أشواقــي بـــــبرد هــــواك

               يا ريح لـولا أن فـــيك بقيــــــة        من طيــب عبلة مت قبل لــــــقاك

وقد كان هذا البيت مدخلا ملائما لفتح حوار بين الشاعر وعبلة عن طريق نداءات متعددة صادرة من شاعر مكلوم ومرتاب في أمر المحبوبة (يا عبل ما أخشى، يا عبل لا يحزنك بعدي- هلا سألت الخيل يا ابنة مالك /  إن كان بعض عداك قد أغراك).

لينتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر شديد الارتباط بغرض الغزل عند عنترة وهو الحماسة، حيث الحب والفروسية/ البطولة صنوان في القصيدة الغزلية العنترية، وقد وقفنا عند تجلياته في قصيدة"العقيقة".

ويتخذ جميل بن معمر من الحمام الرمز الأنسب للتهييج وإثارة مشاعر الحنين، قبل أن يبني عليه معاني قصيدة طويلة متقلبة البناء، قال في مقدمتها35 : 

                   طربت وهاج الشوق مني وربما    طربت فأبكاني الحمام الهواتف

                   وأصبحت قد ضمنت قلبي حزازة    وفي الصدر بلبال تليد وطـارف

 ب - إسقاط المقدمة :

بدأت القصيدة العربية الغزلية تنحو منحى آخر في طريقة النظم حيث بات إسقاط المقدمات أمرا عاديا ومألوفا في أشعار العذريين الأمويين، خاصة عند المجنون وقيس لبنى، بينما أسقطت في كثير من أشعار جميل وبعض قصائد عنترة، وإن أبقى هذان الشاعران على ما يذكر بها (التصريع).

فهذا عنترة يتغزل بعلبة دون مداخل في سبع قصائد من باب"الغزليات"، وينوع تنويعا كبيرا في طريقة الكتابة، فتارة يفتتح بوصف مباشر لمفاتن عبلة، وتارة أخرى يصور مأساته، ومرة ثالثة يجمع بين الأمرين، قال مبرزا مفاتن عبلة قبل أن يخرج إلى تصوير محنته36: 

                رمت الفؤاد مليحة عــــــــذراء     بسـهام لحظ ما لــهـــــن دواء

                مرت أوان العيد بين نواهـــــد     مثل الشــموس لحاظهن ظباء

                فاغتالني سقمي الذي في باطني   أخــــــــفيته فأذاعه الإخفاء

وهو المدخل نفسه الذي اقترحه في قصيدته "جفون العذارى"حيث قال37: 

                       جفون العذارى من خلال البراقــع    أحد من البيض الرقاق القواطــع

                       إذا جردت ذل الشـــجاع وأصبحت    محاجره قرحى بفيض المـــدامع

وفي مقطوعة "تمشين كغصن البان" يزكي هذا النوع من البناء القائم على تصوير مفاتن عبلة والتوسيع في ذلك مع إظهار كلفه ومحنته، قال38

                        لعوب بألباب الرجال كأنــــــها    إذا أسفرت بدر بــدا في المحاشد

                        شكت ســـقما كيما تعاد وما بها    ســوى فترة العينين سقم لـــعائد

                        من البــيض لا تلقاك إلا مصونة    وتمشي كغصن البان بين الولائـد

وعلى هذا المنوال تسير كل المقطوعة. وفي قصيدة خالصة الوصف لمحاسن عبلة يقـول 39: 

                         لمن الشموس عزيزة الأحــــــداج     يطــلعن بين الوشي والديبــــاج

                         من كل فائـــقة الجمال كدمــــــــية    مـن لؤلؤ قد صــورت في عــاج

                         تمـــشي وترفل في الثياب كأنـــها    غصن ترنح في نــــــقا رجـــاج

ويحول الشاعر الوصف من المحبوبة إلى الذات، فتظل مداخل القصيدة على حالها خالية من الطلل أو البدائل الأخرى المفارقة للشاعر أو المرأة، قال في ثلاثة مواضع من الديوان مصورا حاله40:

                 1- إذا رشقت قلبي سهام من الصــــد      وبدل قربي حادث الـــــدهر بالــــــبعــد

                         لبست لها درعا من الصبر مانــــعا       ولاقيت جــيش الشــوق منفردا وحدي

                         وبت بطيف منك يا عبل قانــــــعا      ولو بات يسري في الظلام على خـــدي

                    2- سأضمر وجدي في فؤادي وأكـــتم      وأســهر لـــــــيلي والعـــواذل نـــــــوم

                      وأطمع من دهــــــري بما لا أنالــــــه       ألزم منــــــه ذل مــن ليــــــس يرحـــم

                      وأرجو التداني منك يا ابنة مالـــــــك       ودون التـــــــــــداني  نار حرب تضرم

                   3- فــــــــــــؤاد لا يسلـــــيه الــــمدام      وجســـم لا يـــــــــــــفارقه  السقــــــام

                      وأجفان تبيت مقـــــــرحــــات       تســــــيل دما إذا جــن الظـــــلام

                      وهاتفة شجت قلبي بــــصــــــوت        يـــلذ به الفــــؤاد المســـــتهــــام

هكذا إذن تتداخل العناصر داخل هذه الأبيات المقترحة في بداية القصائد، وهي عناصر تتكرر في باقي أجزاء القصيدة وتتوسع، ليصير من الصعب الحديث عن مقدمة وغرض، وإنما عن موضوع يمتد من بيت إلى آخر يتردد الشاعر على تناوله كلما سنحت له الفرصة.

وقد صار هذا النوع من الأساليب في إنشاء القصيدة العذرية معمولا به دونما حاجة إلى مقدمات ووسائط، من تجليات ذلك قول المجنون41: 

                     أنيري مكان البدر إن أفـــــل البــــدر    وقومي مقام الشمس ما استأخر الفجر

                     ففيك من الشمــــس المنيرة ضوؤها     وليس لها منـــــك التـــــبسم والثـــــغر

                     بلى لك نور الشــمس والبـدر كلـــــه    ولا حمـــلت عيـــــنيك شمس ولا بـــدر

وعلى هذا المنوال تسير القصيدة إلى نهايتها حيث يقول في خلاصة مركزة تختزل فعلة هذا الجمال الممتد على جسد ليلى والمصور في واحد وعشرين بيتا42: 

                        وما زالت محمود التصبر في الذي     ينوب ولكن في الهوى ليس لي صبر

وتتخذ هذه المداخل شكلا آخر عند قيس لبنى حيث يفتتح قصائده بالبعد الذي أصبح حقيقة مقررة لا سبيل إلى تغييرها، وهو جزء من معاناة كبيرة هي الباعثة على النظم والمؤطرة لكل القصائد العذرية. قال في مكانين متفرقين من الديوان مستثمرا هذه التيمة (البعد) كمدخل لقصائد عديدة43 : 

                        1-بانت لبينى فأنت اليوم متبـول     وإنك اليــــوم بـعد الحزم مخبول

                        فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحـة     ودل لبنى لها الخـــــيرات معسول

                       2- بانت لبينى فهاج الــقـلب مـن     بانا وكان ما وعدت مطلا وليانـــا

                         وأخلفتك منى قد كنت تأمـــلهــا      فأصبح القلب بـــعد البين حيرانــا

    إن الخلاصة التي يمكن التشديد عليها هي أن اختزال المقدمة في الموضوع وتصييرها جزءا منه يسري في جسد القصيدة حتى نهايتها، أصبح واقعا لا يثير الكثير من النقاش حول بنية القصيدة العذرية الخالية من المقدمة، ليتوجه النظر إلى طريقة بناء الغرض نفسه.

 ج - التنويع في بناء الغرض:

ينبغي التذكير هنا أن التنويع في بناء الغرض يقوم على وحدة الموضوع/ الغزل، ولا يتعداه إلى غيره، وكل حديث عن عناصر خارج ذات المحب أو المحبوبة فهو شديد الارتباط بالموضوع، إلا أن الوحدة الموضوعية المميزة للغزل العذري لا تعني وجود وحدة عضوية، فالتقلب الدائم للشعراء من معنى لآخر كثيرا ما يحدث تقطعات في أوصال القصيدة، حتى أن المعنى الواحد يتجزأ بين المقاطع بصورة غير منتظمة دون لحمة.

وهذا يعني أن بناء القصيدة العذرية يحتاج دائما إلى إعادة التوضيب، إنه بناء مرن يطاوع الباحث لتشييد نموذج أو نماذج محددة يمكن تصنيف كل الأشعار الغزلية العذرية ضمنها، كما يعني أن الشاعر العذري لم يكن منشغلا بكيفية الكتابة بقدر ما كان منشغلا بالإفصاح عن آلامه وآماله، وإيصال صوته إلى القارئ/المستمع الذي عليه أن يتكفل بترتيب القصيدة من جديد. إننا إذن بصدد وضع بناء للقصيدة لا اكتشاف هذا البناء. ولأجل ذلك نقترح تحليل قصيدتين لشاعرين متميزين في مدرسة الغزل العذري هما جميل بن معمر والمجنون، مع تطعيم هذا التحليل بنماذج للشاعرين أو لغيرهما من شعراء العذرية إذا لزم الأمر.

النموذج الأول : قال جميل بن معمر : 44

حلت بثـنية من قلبـي بمـنزلة

صادت فؤادي بعينيهـا ومبتسـم

عذب كأنه ذكـي المسك خالطـه

وجيد أدماء تحنوه إلـى رشــإ

رجراجـة رخص الأطراف ناعمـة

خدل مخلخلهـا وعث مـؤزرهــا

هيفـاء مـقبلة عجزاء مدبــرة

نعـم لحــاف الفتى المقرور يجعلهـا

وما يضـــر آمرأ يمــسي وأنت له

فسيستفيق محب قد أضـر بــه

تــلكم بثينة قد شفــت مودتهـا  

وعاذلـون لحـــوني فـي مودتهـا  

لما أطالـوا عتابي فيك قلت لهـم  

قد مات قلبي أخو نهـد وصاحبـه  

وكلهـم كان مـــن عشـــق منيتـه 

إنــي لأرهــب أو قد كدت أعلمـه 

إن لـم تنلني بمعروف تجـود بـه

 

 


بيـن الجـوانح لم ينزل بها أحد

كأنه حـــين أبـدتـه لنا بــــرد

والزنجبيــل وماء المـزن والشهـد

أغن لـم يتبعهـا مثله ولـــــــد

  تكـاد من بدنـها في البيـت تنخــد

هيفــاء لـــم يغذهـــا بؤس ولا بــد

تمـت فـليس يرى فــي خلقهــا أود

شعــــاره حين يخشى القر والصـرد

ألا يكــون من الدنيــا لــه سبــــد

  شوق إليـك ويشفــى قلبـــه الكمـد

قلبـي فلم يبق إلا الـروح والجســد

يا ليتهـــــم وجــدوا مثــل الذي أجــد

لا تفرطوا بعض هذا اللـوم واقتصـدوا

مرقـش وآشتفــى من عروة الكمـــد

وقــد وجدت بها فوق الــذي وجــدوا

أن سوف توردن الحوض الذي وردوا

أو يدفــع الله عنــي الواحــد صمـــد

لا يخفى على قارئ الشعر ما في هذه القصيدة من اضطراب، حيث تأرجح جميل بين عدة معاني واضح. ويمكن الكشف عن هذا الاضطراب من خلال إبراز الأفكار والمعاني الكبرى المؤطرة للقصيدة وحدودها.

فالبيت الأول يستقل بمعنى واضح، وهو إظهار المقام الرفيع الذي تحتله بثينة من وجدان الشاعر، بينما يخصص الأبيات الستة الموالية(2   -   7) لرسم صورة هذه المحبوبة وتصوير جمالها الجسدي تصويرا مفصلا ودقيقا، ليعود في البيتين الثامن والتاسع إلى تزكية البيت الأول، فبثينة متاع ثمين يغني عن باقي المتع الأخرى إذا ما تم امتلاكها. إلا أن عدم الاقتدار على ذلك يفتح أمام الشاعر باب الأمنيات المستحيلة التي تفصح عن نفسها في البيتين العاشر والحادي عشر، ليكون البيت الثاني عشر خلاصة لهما. في حين يحدث البيت الثالث عشر قطيعة مع ما سبق ليتوجه الشاعر إلى اللائمين رافضا لومهم وعتابهم. والقطيعة نفسها يؤشر عليها البيت الخامس عشر حيث يسترد جميل الماضي من خلال استحضار شخصيات عاشقة(ماضية) ، لتكون هذه الإستعارة إيذانا بتحقق الأسوء، وهو ما جعله يقر بالرهبة من خاتمة هذا العشق.

إن هذه الرحلة الطويلة بين معاني مختلفة ومتكررة أحيانا يمكن اختزالها بإعادة ترتيب لوحات هذه القـصيدة وضم المتشابه إلى بعضه البعض حتى يستوي البناء، فالأبيات:1-8-9-12 يمكن جعلها مقدمة تهيئ لوصف المحبوبة في الأبيات:2-3-4-5-6-7، أو نتيجة طبيعية لها، وهنا يصبح إلحاق البيتين: العاشر والحادي عشر بهذه المقدمة مبررا، ليستقل البيتان الثالث عشر والرابع عشر بنفسهما، وتشكل الأبيات الأربعة الأخيرة لوحة أخرى قابلة لأن تلحق بالجزء الأول، وبالتحديد بعد البيت الثاني عشر، وهو المكان الأنسب لها. وهكذا سنصبح أمام لوحتين بدل هذا التنويع المخل ببناء القصيدة والدافع بها نحو التشظي، وهو بناء يمكن تعميمه على أغلب قصائد العذريين لا في مواضيع الغرض الواحد، وإنما في تقنية النظم حيث الانزلاق من موضوع إلى آخر أمر وارد في أية لحظة. ففي قصيدة أخرى45 تقارب هذه القصيدة  من حيث عدد أبياتها (سبعة عشر بيتا) يستهل جميل بلوم الآخرين وإسدائهم له النصح في محبة بثينة، ليكون ذلك سببا لحوار شعري استغرق بيتين، ويصبح البيت الرابع تبريرا لتمسكه بالحب، قبل أن يلتفت إلى المحبوبة في البيت الخامس طالبا إياها الرحمة. بينما تختزل الأبيات التسعة الموالية له أشكالا متعددة من المعاني (رسم صورة الذات العاشقة باستفهامات تقريرية- الالتفات إلى الوشاة، التأكيد على هذا الحب والإخلاص له)، ليختم القصيدة بثلاثة أبيات يقدم فيها صورة جميلة لهذه المحبوبة.

هكذا تكاد المواضيع تتشابه في أغلب القصائد العذرية سواء في ديوان شاعر بعينه أو عند جل الشعراء، بينما تختلف طريقة عرضها بالتقديم والتأخير والاختزال والتوسيع، وهو أبرز وجه يجعل التعميم متعذرا.

النموذج الثاني : قال المجنون 46: 

أقول لأصحـابي وقد طلبوا الصلـى

فـإن لهيــب النـار بيــن جوانحـــي

فقالوا نريد الماء نسقـي ونستقــي

فقــالوا وأين النهـر قلـت مدامعــي

فقالـوا ولـم هذا قلـت من الهــوى

ألـم تعرفـــوا وجها لليلى شعاعـه

يمـر بوهمـي خاطــر فيـؤدهـــا

منعمة لو قـابل البدر وجههــــــا

 

 

 

 

 

تعالوا آصطلوا إن خفتم القر من صدري

إذ ذكـــرت  ليلى أحـر مــن الجمـــر

فقلت تعالـوا فاستقـوا الماء من نهـري

سيغنيكم دمـع الجفــون عـن الحفــر

فقالـوا لحك الله قلـت اسمعـوا عـذري

إذا بـرزت يغني عـن الشمــس والبدر

ويجرحها دون العيـان لهــا فكــري

لكان له فضـل مبيــن على البـــدر

هلالية الأعلــى مطلخــة الــــذرا

مبتلـة هيفــاء مهضومـة الحشــا

خدلجــة الساقيـن بض بضيضــة

فقالـــوا أمجنـون فقلــت موسـوس

فلا مـلك المــوت المريــح يريحنـي

وصاحـت بوشك البين منها حمامة

علـى دوحة يستن تحت أصولــها

مطوقـة طوقــا ترى في خطامهــا

أرنت بأعلـى الصـوت منها فهيجت

فقلـت لهـا عودي فلمـا ترنمــت

كـــأن فؤادي حيـن جـد مسيرهـا

فودعتهـا والنار تقـدح  في الحشـا

ورحت صريع الحب دام من الهوى

رمتنـي يـد الأيام عن قــوس غـرة

بسهمين مسمومين من رأس شاهق

مناى دعينـي فـي الهــوى متعلقـا

فلو كنت مــاء كنت من ماء مزنـة

ولـو كنت ليلا كنـت ليل تواصــل

عليــك سـلام الله يا غاية المنـــى

 

 

 

 

 

مرجرجــة السفلى مهفهفـة الخصـر

موردة الخديـــن واضحــة الثغــر

مفلجـة الأنيـاب مصقولــة العمـر

أطــوف بظهـر البيـد قفـرا إلى قفـر

ولا أنـا ذو عيــش ولا أنا ذو صبــر

تغنت بليـل فــي ذرا ناعـم نضـر

نواقـع ماء مده وصـف الـصخـر

أصـول سواد مطمئــن علـى النحـر

فــؤادا معنـى بالمليحـة لو تـدري

تبـادرت العينـان سحـا على الصـدر

جناح غراب رام نهـضـا إلـى الوكـر

وتوديعهـا عندي أمــر من الصبـر

وأصبـح منزوع الفــؤاد مـن الصدر

بسهميـن في أعشار قلبـي وفي سحري

فغودرت محمر الترائــب والنـحــر

فقـد مِتُّ إلا أنني لــم يُــزَرْ قبـري

ولو كنــت نوما كنت من غفوة الفجـر

ولو كنت نجما كنت بدر الدجى يسري

وقاتلتــي حتــى القيامـــة والحشـــر

 

لا تقل قصيدة المجنون تنوعا من حيث المواضيع وأساليب الكتابة عن قصيدة جميل، ففيها من الحوار والوصف والتصوير ما يجعلها تتوزع عبر محاور يمكن رصدها كما يلي:

أ- الاستهلال بحوار بين الشاعر وأصحاب له يكشف المجنون من خلاله عن محنته (الأبيات الخمسة الأولى).

ب- تبرير المجنون لشدة تعلقه بليلى ودفاعه عن نفسه أمام لوم الرفاق (البيت السادس)، وهو اللحمة التي تصل الجزء الأول من القصيدة بما يليها، حيث يمر بواسطته إلى وصف المحاسن.

ج- إبراز جمال ليلى الجسدي، وهو جزء من التبرير، فالافتتان بالجمال عذر في حد ذاته، وقد استغرق هذا الوصف الأبيات: السادس، السابع، الثامن، التاسع، العاشر، الحادي عشر).

د- العودة إلى الحوار المباشر بين الشاعر وأصحابه، والعودة إلى التبرير وإبراز حجم المحنة في البيتين الثاني عشر والثالث عشر.

ذ- الالتفات إلى موضوع آخر مخالف لكنه ملازم لأشعار العذريين، وهو وصف الحمامة التي تحولت في هذه القصيدة إلى رمز للبعد والفراق والتهييج أيضا. وذلك في الأبيات الرابع عشر، الخامس عشر، السادس عشر والسابع عشر.

هـ-حوار الشاعر والحمامة، وهو مدخل للتفصيل في إبراز الحالة النفسية المتردية التي أصبح عليها المجنون جراء تحقق هذا البعد، وهو ما تظهره الأبيات الإحدى عشر الأخيرة من القصيدة.

 

إلا أن هذا التنوع قابل للجمع في خانات كبرى لا تعدم وسائل التعالق فيما بنيها، فمقطع الحوار بين الشاعر وأصحابه، ومقطع الوصف لمحاسن المحبوبة يكملان بعضهما، ويخضعان في الوقت نفسه لمنطق التدرج من اللوم والعتاب إلى التبرير بالحجة، فالأصحاب لائمون ومتهمون للمجنون بالمبالغة في مشاعره، وهو ما دفعه إلى توضيح الصورة التي من أجلها يذوق حياض الموت، إنها صورة ليلى الجميلة التي أحوجته إلى استثمار صور بلاغية قادرة على الإقناع، وبذلك فالصورة، في هذا المقام، تتحول من مجرد رسم أو محسن إلى حجة دافعة للاتهام ومبررة للسلوك الذي يظهره المجنون (التمسك بالحبيبة)، من هنا يمكن أن نقول إن هذا المقطع مبني بشكل منطقي داخل موضوع عاطفي قائم على الاتهام والدفاع بالحجة/الصورة.

بينما يدخل وصف الحمامة والحالة النفسية للشاعر في إطار التنويعات الملازمة لغرض الغزل العذري الذي تعود فيه الشعراء على جلب كل ما يبرر محنتهم ويصور حجم حنينهم للمحبوبات.

إن مقارنة بسيطة بين قصيدتي جميل والمجنون تبرز بوضوح أنه لا وجود لمبدإ قار في عملية البناء، لكن ليس خارج حدود غرض الغزل العذري بتيماته المعروفة التي تسبح في فلكه، كما تبرز أن هذا الشعر، مهما كان حجم التنوع فيه، يوجه دائما بموضوع كبير تلتف حوله جملة من التيمات المرتبطة بعلاقات مختلفة بين الذات والمحيط.

وقد تنبه جون مولينو وجويل طامين إلى تعدد المواضيع والأوجه التعبيرية عنها داخل قصيدة/أغنية الغزل العذري التي "تبدو كبناء ذي مستويات ثلاثة: موضوع الحب الذي يتغنى به الشاعر، والتيمات المتمركزة ببناء متقن، وأخيرا المحسنات المحققة للتيمات عبر عدة جوانب تعبيرية متغيرة، بعضها يظل شديد الارتباط بالتيمات والبعض الآخر يتأرجح بين الحضور والغياب بحسب الحاجة"47.

وهذا يعني أن خيطا خبيئا يشد أجزاء القصيدة، على القارئ أن يدركه، وعلى المحلل أن يكشف طبيعته وأوجه ربطه لهذه الأجزاء. إن هذا الخيط لا انفكاك له عن ذات الشاعر الناظمة لكل العلاقات المتناغمة والمتنافرة.

 إن القصيدة القائمة على تعدد العلاقات وحوار الواقع والذكرى، وتشظي الذات الشاعرة بين كل هذه العناصر، لن تكون منسجمة ومتجانسة بالشكل التقليدي القائم على التدرج من غرض إلى آخر بالوضوح التام، وإنما يقتضي الأمر تفاعلا كاملا من القارئ مع هذه التلوينات وإدراكه للصور المعبر عنها ليكشف في النهاية أن هذا التنويع تنويع انسجام لا تنويع تفكك.

وهكذا، فالحديث عن بناء القصيدة العذرية لا يتأسس على الموضوع وحده، بل على تنوع المكونات البلاغية وتقنيات الكتابة وإدراك القارئ لطبيعة الغرض الذي يدرسه، فهو ليس بناء متبرجا يعفي الدارس/ القارئ من مشقة البحث في آلياته، وإنما بناء خفي ومنسجم أيضا تحت عباءة التفكك الظاهر.

إن ما ينبغي التشديد عليه هو أن طرائق البناء متعددة ومتحولة من قصيدة إلى أخرى، بناء لاحق عن القصيدة العذرية التي ترفض القوالب الجاهزة لأنها إنتاج ذات عاشقة متمردة على القانون والعادات وتؤمن بالحرية، إلا أن هذه الحرية المنتجة للبناء الشعري العذري تقوم على مواضيع محددة ومؤطرة بالذات الشاعرة وذات المحبوبة وذوات أخرى إنسانية وغير إنسانية. فترى وصف المحبوبة وسلوكها (الجمال والأخلاق) ووصف نفسية أو جسد الشاعر(التأزم والنحول)، وجلب الحمائم والغربان والغزلان... من الأمور المقررة في هذا الشعر مهما كان تقديم أو تأخير الشاعر لأحد هذه المكونات داخل القصيدة.

كما نود أن نشير قبل الانتهاء من هذا التحليل إلى أن بناء القصيدة العذرية الجاهلية، خاصة عند عنترة، بناء واضح كوضوح أبنية كل القصائد، على عكس القصيدة العذرية الأموية المجددة لطرائق النظم.

إن الخلاصة التي ينبغي أن تتقرر في الأذهان هي أن التجديد الذي يتحدث عنه نقاد الشعر العربي القديم ينبغي أن يتم التأصيل له بالقصيدة الغزلية العذرية على كافة المستويات، فهذه المدرسة مدرسة شعرية فريدة بحق، شكلا ومضمونا.

ويمكن اختزال كل هذا التحليل في خطاطة تقريبية لأشكال البناء الكبرى مع التشديد على أن عناصر هذه الخطاطة قابلة للتحول خاصة على مستوى التقديم والتأخير، أما الحضور والغياب فهو أمر غير مطروح، فأكثر المواضيع أهمية في الغزل دائمة الحضور.

 

 


                 بناء القصيدة العذرية

             شكل 1                                                              شكل 2

       مقدمة( طللية أو ما ينوب عنها)                                 افتتاح نائب عن المقدمة

              

                   الموضوع/الغرض                                    الموضوع/الغرض

 

       وصف     وصف      الوشاة       الحماسة             وصف    تصوير   تصوير      تصوير

     المحبوبة     الحالة                   خاصة               الحالة     محاسن   علاقة       علاقة

                 النفسية                    بعنترة              النفسية   المحبوبة   الذات      الذات

                                                                                       بالذوات    بعناصر

        الأخرى    الطبيعة

 
     هوامش الدراسة:

1.      الشعر والشعراء، ص:20.

2.      Introduction a l’analyse de la poésie, P :119

3.      Ibid,P :119.

4.      العمدة، ج2، ص:117.

5.      الشعر الجاهلي، تطوره وخصائصه الفنية، ص:113.

6.      نفسه، ص:113.

7.      نقلا عن دراسات في الأدب الجاهلي، عبد العزيز نبوي، ص:238.

8.      اتجاهات الغزل، ص:330.

9.      شعرنا القديم والنقد الجديد، 141.

10.  الحيوان: 2/20.

11.  الشعر الجاهلي تطوره وخصائصه الفنية 123.

12.  نفسه: 123.

13.  الشعر الجاهلي: قضاياه الفنية والموضوعية. 234.

14.  دراسة الأدب العربي .237

15.  اتجاهات الغزل , ص:329.

16.  Introduction à l’analyse de la poésie.P :120.

17.  Ibid, P120.

18.  Ibid P :118.

19.  اعتبر كل شعر فاق عدد أبياته سبعة قصيدة باعتبار مفهوم "الإيطاء" وهو تكرار كلمة القافية بحروفها ومعناها قبل مرور سبعة أبيات، ولذلك اعتبر عيبا. أما إذا تكررت بعد ذلك فلا ضير.

20.  الديوان، ص: 231.

21.  الديوان، ص:232.

22.  الديوان، ص:252.

23.  الديوان، ص:210-211-212.

24.  الديوان، ص: 125-137-160-215.

25.  الديوان، ص:89.

26.  نفسه، ص:201.

27.  الديوان، ص: 20-41-62.

28.  Introduction à l’analyse de la poésie.P :121

29.  Ibid.P :164

30.  الديوان، ص:228.

31.  نفسه، ص: 243.

32.  الديوان، ص:214.

33.  لا يتلاءم  توظيف لفظ "الريح" مع الدلالة التي يهدف إليها الشاعر، لأن الريح ارتبطت في اللغة العربية بالهلاك والموت والعقاب. بينما ارتبط لفظ "الرياح" بعكس هذه الدلالات وهو الأنسب هنا.

34.  الديوان، ص:240.

35.  الديوان، ص:121.

36.  الديوان، ص:193.

37.  نفسه، ص:201.

38.  نفسه، ص:217.

39.  الديوان، ص:147.

40.  الديوان، ص: 221-237-259.

41.  الديوان، ص:100.

42.  الديوان، ص:101.

43.  الديوان، ص:61/67.

44.  الديوان، ص:58-59-60-61.

45.  الديوان، ص:73 وما بعدها.

46.  الديوان، ص:118-119-120.

47Introduction à l’analyse de la poésie.P :130-131  

 

المصادر والمراجع :

/ابراهيم عبد الرحمان محمد. الشعر الجاهلي: قضاياه الفنية والموضوعية. دار النهضة العربية. بيروت. لبنان. دون ت/ط.

/ابن رشيق. العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الجيل. بيروت. لبنان. ط5/1981

/ابن قتيبة. الشعر والشعراء. تحقيق مفيد قميحة. دار الكتب العلمية. بيروت. ط2/1985

/أبو عثمان بن عمرو بحر الجاحظ: الحيوان. تحقيق عبد السلام هارون. مكتبة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة

/أحمد وهب رومية. شعرنا القديم والنقد الجديد. سلسلة عالم المعرفة. ع207.مارس 1996

/بهي الدين زيان. الشعر الجاهلي: تطوره وخصائصه الفنية. دار المعرفة. القاهرة. ط1982

/جميل بن معمر : الديوان. تحقيق إميل بديع يعقوب. دار الكتب العلمية. بيروت.ط1/2004

/عبد العزيز نبوي. دراسات في الأدب الجاهلي. مؤسسة المختار للنشر والتوزيع. القاهرة. ط 3/2006.

/عنترة بن شداد العبسي. الديوان. شرح يوسف عيد. دار الجيل. بيروت. ط2001.

/قيس بن ذريح.الديوان. شرح راجي الأسمر. دار الفكر العربي. بيروت. ط1/1997

/قيس بن الملوح :

الديوان.جمع وترتيب أبي بكر الوالبي. تحقيق جلال الدين الحلبي. دار النجم. بيروت. ط1/1994

/مصطفى ناصف : دراسة الأدب العربي. بيروت. ط3/1983

/يوسف حسين بكار. اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري. دار الأندلس. بيروت. ط2.

/Jeaun molino-joelle tamine : Introduction a l’analyse de la poésie. Presses universitaires de France.1988.


 

 

 

 


التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على : فيسبوك تويتـر جووجل بلس تغذية RSS

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات