مواضيع اليوم

التونسيون ينتفضون قبل المصريين

ليس لي سيّدٌ، ولكن في هذه الأيام المباركةِ ،تونسيًا، أختارُ طواعية سيدي بو زيد فهو الوحيد الذي تـَمَكَن من تفعيل كلمات أبي القاسم الشابي عن الشعبِ الذي إذا أراد الحياةَ، فلا بد أنْ يستجيب القدرُ، وأنْ ينجلي الليلُ، وأنْ ينكسر القيدُ.
لا أريد أنْ أنحشر في طائرة تشارتر في أوسلو، وأهبط مطارَ العاصمة التونسية، وأتوجّه إلى سوسة أو الحمامات، وأستلقي علىَ رمال ناعمة فلا يجعلني موجُ البحر أنصِت إلىَ آهاتِ المعذَبين في أقبية سجون أحَدِ أغلظ الطـُغاة وأشرسهم في عالمنا العربي.
لكنني أتمنى الآن أنْ أتسلل إلىَ تونس الخضراء، وأبحث عن كل المتظاهرين والمنتفضين الأبطال، وأقوم بتقبيل رأس كل واحدٍ منهم، فطاغيتُهم الأكبر لا تحمله قدماه في قصر قرطاج من الخوف والفزع، فالتونسيون الشجعان إنْ لم يكونوا كلُّهم شباباً، فأزعمُ أنهم أصبحوا شابيين من أصل شِعريٍّ واحدٍ .. أبي القاسم!
الشجاعةُ هي واحدةٌ من أجمل قِيَمِ الإنسانية، فأنْ تسير مُلَوِّحَاً قبضتك في الهواء في بلدٍ يحتل المرتبةَ الرابعةَ في العالـَم بالنسبة لعدد المعتقلين مقارنة بعدد السكان، فأنتَ قد صعدت لأرقىَ مرتبة بشرية لو علـِم بها داروين لغيّر منهجه وجعل أصلَ القرد هو الإنسان الجبان، وأصلَ الإنسانِ المتحضر هو الرافض لكل صور العبودية والاستغلال والمهانة.
بعد السابع من نوفمبر 1987 تَسَوَّرت تونس من كل حدودها، فأضحى الجدارُ المعنوي حالةً من الإعتقال الدائم، ولكن تظل الستون سنتيمتراً مربعاً في السجن المدني ، والتي هي نصيب السجين نائماً، وواقفاً، هي الجريمة الأكبر للديكتاتور التونسي، فالزنزانة بها 300 شخص حتى أن أحدَهم قضىَ شهرا لم يقابل زميلا له معتقلاً في نفس الزنزانة، ويتحرك بصعوبة في المكان المخصَّص له والذي يضيق به فأر!
مَنْ مِنَّا لا يتذكر الصحفي محمد بريس الذي نشر تحقيقا عن ماسح أحذية، فتم اعتقالُه لأنه أساءَ لصورة تونس الي يحكمها بطل حركة التصحيح النوفمبرية؟
مديرُ تحرير صحيفة ( الشعب ) كان قد تم استدعاؤه لأمن الدولة لأنه نشر مقالا عن غضب الشعب الاندونيسي من جرّاء غَلاء المعيشة، واعتبرت أجهزةُ استخبارات زين العابدين بن علي المقالَ إسقاطاً علىَ حُكْمِه!
لم يَدر بذهن أحدٍ أنَّ التونسيين يمكن أنْ يغضبوا، فغضبُهم في المهجر، ومعارضتُهم في شوارع باريس ونيس وبروكسل وجنيف و .. مونتريال.
ومع ذلك فأمنُ المطار في العاصمة التونسية قبض علىَ أحدهم وهو عائدُ من فرنسا، وأخرجوا له صورةً تم التقاطـُها قبل عشر سنوات من داخل السفارة التونسية في باريس، وكان المسكين يقف صامتا في مظاهرة مسالمة، لكن عينَ كاميرا الطاغية اخترقتْ نافذةَ السفارة، والتقطت صورتـَه، تماماً كما فعلتْ أجهزةُ الاستخبارات الأردنية مع مدير تحرير صحيفة كويتية عندما عَبَرَ الحدودَ من الكويت إلى بلده سورية عبر المملكة الهاشمية، فحققتْ معه استخباراتُ الحدود بتهمة كتابة مقال ينتقد الحسين بن طلال ، رحمه الله، قبلها بعشرين عاما في صحيفة ظبيانية!
الجنرال بن علي دراكيولا العصر الحديث، وهو يتلذذ بتعذيب مواطنيه كما لم يفعل طاغيةٌ قبله، ولن يفعل بعده!
حمادي الجبالي قضى خمس عشرة سنة في سجون الديكتاتور التونسي، ظـُلماً وبغياً، فلما خرج من السجن الصغير إلى السجن الكبير المُسَمَّىَ الوطن، أبعدته عن أسرتِه، ووافقتْ أنْ تقوم بناتُه الثلاث بزيارتِه شريطة أنْ يشاهدوا خيالـَه من بعيد دون الاقتراب خطوة واحدة!
نحن أمام حالة سادية، نرجسية، دموية لرجل الغرب في الشرق، وعدو الإنسانية في شمال أفريقيا، ومصّاص الدماء الأكبر في عالمنا العربي المليء بدراكيولات متفرقة تُعِدّ أبناءَها لوراثةِ القصر والسلطة، والعبيد ..والأرض!
سجونُ ومعتقلات تونس مثل السجن المدني، وبرج الرومي، وناظر، ومرنة، وباجة، وبرج العامرية، ومونستير، وسوسة، وبلاريج، والهوارب، والمرناقية، تستطيع أن تبتلع في جوفها نصف سكان تونس وتقولُ هل من مزيد؟
الجنرال مدعومٌ عربيا، وغربيا، وأمريكيا، وإسرائيلياً، وعندما أخرجتْ صناديقُ الاقتراع لسانـَها لعيون الغربيين الزرقاء، وكانت النتيجة 99% عامي 89 و 94، ابتسم دعاةُ الحرية والديمقراطية كما ابتسم توني بلير في خيمة العقيد وهو يحاول أن يبعد عن ذهنه صورة مدينة لوكيربي، وانفجارات لندن التي تحالف فيها الجيش الجمهوري الايرلندي مع رسول الصحراء!
أجهزةُ الاستخبارات التونسية تسمع دبيب النمل، وتستدعي مواطناً قام لصلاةِ الفجر ثلاثَ ليالٍ سَوِيّاً فوَشَتْ به أضواءٌ خافتة، وتسحب حجابَ طالبةٍ جامعية، وتستدعي الخارجيةُ دبلوماسياً رفض معاقرة الخمر في حفل العيد الوطني بسفارة بلده في عاصمة أوروبية، فَرَفْضُ رشفةٍ من البوجوليه، والألزاس، والبوردو يعني العودةَ إلىَ تونس، والتعرّض للمراقبة، فربما تكون بذرةُ التديّن قد نبتتْ في أحشاء الرجل قبل أن يتطرف بوقت طويل!
والطاغيةُ يصنع ماضيه ليلائم حاضرَه، وأيضا ليفسح المجال للمنافقين باعادة صناعةِ معبودهم الجديد وِفْقا لتوجيهات القصر، وعندما تولىَّ الحُكمَ بعدما أطاح بالرئيس مدىَ الحياة .. الحبيب بورقيبة، اختفتْ كُلُّ الأوراق والثبوتات من مدرسة سوسة الثانوية، فليس من حقِ أحد أنْ يتلصص علىَ ماضي الرئيس، فالماضي صناعة جديدة ومغلَّفة بأوراقِ الحاضر، وأحلامِ المستقبل، ولو كان بامكان المستبد أنْ يستدعي الحيواناتِ المنويةَ التي سابقته، فَسَبَقَها قبل مولده بتسعة أشهر، لما تأخر، ليتأكد أنه تخلّص منها، وأنها لن تشهد عليه في يوم من الأيام!
عندما تم منح محمد الناصر وِساماً تقديرا لجهودة الأمنية، غابتْ عن ذاكرة الكثيرِ أنه ذئب في صورة بشرية، وأنه كان يرغم المعتقلين علىَ لعق العصا بعد اِدْخالِها في فتحة الشرج.
كان الثامن عشر من يونيو عام 2005 يوما تاريخيا عندما نظرت المحكمة الابتدائية في جنيف دعوى اقامها الناشطُ التونسي عبد الناصر نايت ليمان ضد الطاغية، واستبشرنا خيرا، وكبرت أحلامُنا في مشاهدة صفٍّ طويل من الطغاة أمام محاكم دولية، يتقدمهم زين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، وعبد العزيز بوتفليقة، وبشّار الأسد، وعمر حسن البشير، لكن ذاكرة المحاكم كذاكرة الشعوب تستيقظ يوما، وتنام سبعين ليلة!
لستُ من المؤمنين ببركات الأسياد، إنس أو عفاريت، والبركة الوحيدة المعترف بها حاليا هي بركة سيدي بو زيد، وإذا انتقلتْ من تونس إلى القاهرة والاسكندرية وبنها وبورسعيد وأسوان، فأغلب الظن أن سراويل كل قيادات الحزب الوطني الحاكم ستتبلل قبل الغضب المصري بوقت طويل!
دعونا نضع وسامَ الشجاعة على صدور أبطال تونس، ونستعد للتهنئة الكبرى التي سيتسلمها البطل التونسي الجديد في قصر قرطاج، ويعيد إرسالها إلى بطل جديد آخر في قصر العروبة القاهري.
أما سرادق العزاء الذي نراه كابوسا مزعجا فهو القضاء على الانتفاضة التونسية، ثم الخطاب الأول للرئيس الشاب جمال مبارك في حياة والده أو بعد رحيله.
أيها التونسيون الأحباب،
لا تجعلوا البيان رقم واحد من ماسبيرو يبتعد كثيرا عن بيان أبناء الشابي في تونس الخضراء، فالطغاة سيسقطون واحدا إثر الآخر كما حدث عام 1979، عام سقوط الديكتاتوريات في أفريقيا.
لقد بدأتُ في كتابة تهنئتين بسقوط بن علي و... مبارك، ولا أعرف لمن سأرسل التهنئة الأولى!


محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 29 ديسمبر 2010
[email protected]




التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف

إقرأ المزيــد من الأخبـار..

من صوري

عذراً... لم يقوم المدون برفع أي صورة!

فيديوهاتي

LOADING...

المزيد من الفيديوهات