مواضيع اليوم

الجزر المنعزلة

مجدى الحداد

2010-11-19 01:54:59

0



يبدو إننا صرنا نعيش ــ وفى عصر يقال انه حديث ــ فيما يمكن أن نسميه بجزر اجتماعية منعزلة عن بعضها البعض ، على الرغم، أو على العكس مما يقال بان العالم قد صار وكأنه قرية صغيرة ، وذلك بفضل التقنيات الحديثة ، وتكنولوجيا الاتصالات على وجه الخصوص .
لكن ، وأغلب الظن ، أن مفهوم أو تصور مدى صغر أو كبر تلك القرية هو أمر نسبى ويتوقف على عنصر أساسي وهو معرفة مدى الترابط الاجتماعي ــ والذي يأتي مباشرة بعد معرفة مدى الترابط الأسرى ــ في ذلك المكان الذي ينظر منه إلى تلك القرية .
والجزر الاجتماعية المنعزلة، في أبسط تعريف ــ اجتهادي ، وليس جزافي ــ لها ، هي انغلاق كل مجموعة اجتماعية صغرى ، وهو ما يعرف بالأسرة على نفسها ، بحيث تبدو وكأنها تعيش بمعزل تام عن محيطها الاجتماعي الأكبر في المدينة ، أو الإقليم ، والتي تستمد منه ــ ويالها من مفارقة ..! ـــ كل أسباب الحياة ، بل إننا لا نشتطط لو قلنا كل أسباب الحياة الكريمة والوجود الاجتماعي ذاته .
وليس مرد انغلاق تلك الأسر هو أمرا عنصريا بقدر ما هو ماديا ، وغالبا استعلائيا ، لا تدعمه أية أسس أو استحقاقات موضوعية أو منطقية يمكن فهمها أو تفهمها ــ وليس قبولها ــ ولكن يمكن رد ذلك الانغلاق إلى جهل بالعصر الذي نحيا فيه وتخلفا عن معطياته الحقيقية ، حيث قد تشبع العديد من تلك الأسر ، وبفضل عملها في دول الخليج لسنوات ــ قد تصل أحيانا إلى عقود ــ بثقافة البترودولار ، وصار لديها قدر من المال ترى انه يميزها ، وفى ذات الوقت يغنيها ، عن غيرها ممن ترى أنهم دونها ، حتى ولو كانوا من أولى القربى ، وحتى لو أدى ذلك إلى قطع صلة الأرحام التي نهى عن قطعها كافة الأديان السماوية ، وديننا الحنيف .
وليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد وكفى، بل انه يتعداه إلى أمور أخرى أكثر خطورة، حيث أن تلك الأسر لم تنغلق فقط دون مجتمعها ، بل إنها أيضا قد أغلقت ــ ما لم تكن ألغت ــ عقولها أيضا، وأصبحت تصرفاتها بالفعل ليس فقط مدعاة للدهشة ، ولكنه مدعاة أيضا للسخرية أو الكوميديا ، ولكن الكوميديا السوداء .
وقد امتد انغلاق تلك الأسر على نفسها إلى الحد الذي يمكن أن تجد فيه منزل أحدهم من الداخل وكأنه قصر منيف مفروش بأفخم وأغلى وأعظم أنواع الأثاث والبساط الفاخر ، وتم تصميم ديكوراته بأحدث الطرق العصرية الأخاذة ، و كأنهم سوف يعيشون فيها أبدا ، ولكن عندما تخرج من باب ذاك المنزل ــ أو غيره ــ وعلى بعد خطوات فقط من بابه ، يمكن أن تجد "مقلب زبالة" قبالة ذلك المنزل قد تشمئز حتى الدواب من الاقتراب منه ، ولكنهم لأنهم قد انغلقوا عن مجتمعاتهم وعن المشاركة الاجتماعية ــ حتى لو كانت وجدانية ــ فإنهم قد صاروا ، أي تلك الأسر المنعزلة أو المنغلقة ،غير معنيين بما يتجاوز منزلهم ولو ببضع خطوات حتى ولو كان الشارع المؤدى إلى منزلهم ليس فقط مليء بالزبالة ولكن أيضا مليء أو مزروع بالألغام ، وهنا تكمن الكوميديا السوداء.
ومن المعلوم بالضرورة ، أو بالفطرة ، أن الموت هو أقسى ما يمكن أن يتعرض له الإنسان من عبر وابتلاءات ومحن، خاصة عندما يختطف الموت عزيز لديه ، حيث يفترض أن يعود الإنسان السوي إلى فطرته السوية التي خلقه الله سبحانه عليها ، ويعود إلى رشده ، أو يعود إليه رشده ، ولا تأخذه العزة بالمزيد من الانعزال والتعالي على من لم يساعدهم حظهم العسر فى العمل بدول الخليج لجني بعض من البترودولار ، ونتف من الفكر الوهابي ، ففي احد سرادقات العزاء وقف شقيقان قبالة بعضهما البعض لتقبل واجب العزاء ، وقد حار المعزين بمن يبدءون لتقديم واجب العزاء ..!
إذن فان مفهوم ، أو مصطلح ، الجزر الاجتماعية المنعزلة يعكس في حقيقة الأمر مرض اجتماعي عضال يساعد على تجريف الحياة الاجتماعية نتيجة لتخريب ، أو تحريف ، وتقويض منظومة القيم الاجتماعية التراكمية ذات الخصوصية للمجتمع المصري ، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تقويض أسس بنيوية لمنظومات أخرى تتشعب أو تتفاعل أو تتداخل مع تلك المنظومات الاجتماعية ، وذلك مالم يتم تدارك الأمر وعودة الأمور إلى طبيعتها ، أو سيرتها الأولى . 
                                                                                                                

                                                                                                               مجدى الحداد

 

 


مجدي الحداد
[email protected]

 

 





التعليقات (0)

أضف تعليق


الشبكات الإجتماعية

تابعونـا على :

آخر الأخبار من إيلاف